سم الله الرحمن الرحيم 

أسعد الله أوقاتكم جميعا بكل خير . 

نواصل فيما كنا فيه من تعليق على التعديلات القانونية التي أجريت من قبل ونشرت مؤخرا . ونعرض للتعديل الثالث وهو تعلق بعقوبة الجلد تعزيرا وأقول تعزيرا مستنطقا التعديل اللاحق الذي سناتي إليه المتعلق بعقوبة الإعدام وقد استثنى العقوبة الحدية من التعديل (الفقرة 3 من المادة 27 معدلة) وقد ورد فيما عدا جرائم الحدود والقصاص …) 

وقد يلقى هذا في روعك أو يدور في خلدك أن التعديلات لم يقصد منها بالكلية إلغاء النصوص التي تستمد أصلها من القرآن والسنة ، وأحسب أنك تستصحب هذا الى أن تأتى الأيام بما هو جديد أو يأتي من نبأ جديد . وهذا ظاهر الأمر من نصوصه. 

فإن استحضرتك في بالك عنوان التعديل وهدف النصوص محل النظر تجد أن ربما أن المقصود أن تستعاد حرية المواطن من حيث هو مواطن وتحرير جسده من عقوبة الجلد تعزيرا ، مستصحبين في ذات الوقت أن العقوبة التعزيرية سلطة  تقديرية تخضع للزمان والمكان ولكل مكان وزمان سلطانه طبعا . 

عقوبة الجلد ليست عقوبة مستحدثة بل هي قديمة قدم التشريع في السودان بكل حقبه التاريخية ولم تبرح في يوم من الأيام النصوص العقابية في السودان ، وإن تبدلت وسيلتها من العصا الى المقرعة الى السوط . لمن شاء فدونه مجلدات القوانين السودانية التي مقرها وزارة العدل الآن ومكتبة جامعة الخرطوم ودار الوثائق السودانية، بل لم تغب عن أفراحنا في بعض ولاياتنا سواء مما اصطلح له (بالبطان أو القشاط أو ..) بل وإرثا إسلاميا فإن من فقه معالجة نشوذ الزوجة عن طاعة زوجها الضرب غير المبرح والذي حدوده ألا يشق جلدا و لا يكسر عظما . وفى هذا إرث قضائي غذير في حدوده ومتى يكون مما تتعذر معه المعاشرة أم لا ، ,ابسط أدواته من توجيه النبوة على صاحبها أذكى وأطيب الصلوات والتسليمات ( قضيبا من أراك) والتدرج إليه من بعد العظة والهجر في المضاجع .. لكل ذلك لا أحسب أن إكراه الجلد كعقوبة تعذيرية على مغادرة  نصوصنا القانونية وهكذا بخطوة واحدة وفى غياب سلطة تشريعية مفوضة تفويضا انتخابيا يغطى كل التوجهات الفكرية والثقافية وبجرة قلم فيه هذا قطعا دخن كثيف. 

أعلم تماما ومن خلال دراستى المتخصصة أن في علم التجريم والعقاب نظريات كثيرة معاصرة ومنها ما يبدو واضحا تأثر بعض قانونيينا بها من نظريات الدفاع الاجتماعي و مكافحة خطر الجريمة والخطر الاجتماعي وما استلزمه ذلك من تدابير عقابية و غير عقابية و اجتماعية . لذلك أقول أن الأخذ بها أو بأي منها أو ببعضها أم كلها هذا ما يستدعي بالضرورة شورى واسعة أو قل لمن نفر أو استنفر حوارا واسعا مؤسسا له ليقطع في ذلك قولا يمثل كل شرائح المجتمع وفصائله وأقول هذا من باب التناصح وحسبي الله وكفى. 

في ذات سياق المادة 27 تعلقت الفقرة الرابعة بعقوبة القصاص، فألغت من المادة ( بمثل ما قتل به الجاني.) ويأتي هذا بتجاوز معنى القصاص وهو معاقبة الجاني بمثل فعله ، وليس المجال متسعا للتفصيل في هذا من حيث تنوع العقوبة وتدرجها وتفريدها وأهمية الردع العام والردع الخاص والتماثل في القصاص في حدود المعقول واشتراطه بإمكان تنفيذه فهذا مجاله كتب الفقه الشرعى منه والقانوني قديمة وحديثه وليس الأخذ به بهذه السهولة التي تقررت وبضربة واحدة، فقد تستقبل الناس ما استدبرت بالأمس في يوم من الأيام.  

الأكثر جرأة متجاسرة وورد فيما أحسبه على عجالة شديدة غطت فيها أعين الكثيرين نشوة مؤقتة وفرحة عارضة دوامها في علم الله تعالى، ما ورد في الفقرتين الثانية والثالثة تعلقت أولاهما بعقوبة الإعدام لمن لم يبلغ الثامنة عشر من عمره ، وواضح جدا أنها أخذا بما اعتنقته السلطة المشرعة من أمر المسئولية الجنائية الكاملة وتمديد فترة الطفولة الى سن الثامنة عشر، فقدم الفقرة  الثانية ليضع منها قاعدة عامة تسبق الفقرة الثالثة لتقرأ بمعزل عنها ، ولابد للقانوني الممارس ألحاذق أن يستصحب المدافعة والدفوعات التي أثارها قضاء المحكمة الدستورية من ناحية والمحكمة العليا الاتحادية من ناحية أخرى وخلفية كل ودافع كل. وتأني الفقرة لتحسم الأمر هكذا وبضربة واحدة وقفز قافز غير مستوضح لما تحته من معالم . 

ليأتي للفقرة الثالثة ليتجلى المقصد فيها وخلفية كل ما جرى ويجرى  ليستثني جرائم الحدود والقصاص دفعا لشبهة إلغاء أحكام الشريعة الإسلامية ليغمس الأمر في شبهة أسوأ منها حين يضيف الى الاستثناء الجرائم ضد الدولة والواقعة على المال العام ، متناسيا ما ثار وأدلى به كثير ممن يمثلون السلطة المعارضة   بمدافعات مستميتة عندما تقرر قضاء في يوم من الأيام عقوبة سارق المال العام  ومختلسه بالقطع والإعدام  وكيف أن الدنيا قامت ولم تقعد . 

أشير الى هذا مذكرا بنسبية الجرائم ضد الدولة واتساع مفهومها وتقييمها وفقا لنظرتك للسلطة العامة وسلطة الدولة وما يعتبر و لا يعتبر ضد نظام الدولة وأي دولة تعنى وأي نظام تقصد ، وهل الأمر يهدد سلامة الدولة أم سلامة النظام وهذا مخاض خطر خطر خطر، قضاء وسيلقى على القضاة جسيم المهام ورهقا ذهنيا مضنيا ولكم الله قضاة السودان. 

ليس فحسب بل قد يكون قد غاب على البعض تحت النظرة الضيقة القاصرة  أن أبرز سمات النص القانوني العام أنه يشرع ليثبت ويكون ثابت الهدف والمقصد  واع المعنى لذلك  كان الرجوع الى مقصد المشرع هو الأساس في تفسير النص،  بل قد لم يخطر في البال أن (تلك الأيام نداولها بين الناس ) وأن الأيام عبارة عن حلقة دائرية مستديرة لا تتوقف فما هو الآن في أعلى يهبط بالدورة التالية مباشرة الى الأسفل، وأسفل الأسفل. وسبحان من يبدل ما بين طرفة عين وانتباهها من حال الى حال. 

لك أن تستحضر في ذهنك كيف أن ضباطا عظاما في التدرج العسكري وبلغوا ذروته وحملوا أو تحملوا أرفع الأوسمة  زينت صدورهم كأشخاص ولكنها قلدت عنق الدولة  ارتدوا الدمورية  وذلوا أيما ذلة، و لا أحسب أن اللبيب  إلا فهم. 

معذرة على الاطالة وأعفيكم من رهق المتابعة الى أن ألتقيكم لو قدر الله ويسر. 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: عفوا