ملخص قانون العقوبات.

التقى بي شاب وأنا داخل على محاضرة في الأيام الماضية وسلم على بحرارة وقال (عرفت أنك جاي اليوم للمحاضرة حرصت أنى أقابلك عشان أسمع منك تاني  أربع جمل وقتها كنا بنتندر بيها بدون ما نفهم المعنى بعد ما ولجنا سوق العمل وبدأنا نواجه الصعوبات عرفت كما عرف زملائي مرمى الجمل وأنها حقيقة كبسولة مليانة دسم لمن يفهم. شكرته للإهتمام وأنه تخرج وتأهل وباشر عمله وجاء ليستزيد من توثيق ما سمع.

لهذا وبهذا الهدف ولأنى أسعد أيما سعادة عندما يقابلني أحدهم ويقول أنا من طلابك في (الجامعة أو المعهد..) وبمنتهى السعادة أتلقى حتى الآن عبر الوسائط المختلفة مشاركات واستفسارات .في هذا الإطار وللجميع أطرح العبارات على التوالي مع التوضيح اللازم.

قلت ولا زلت جوهر القانون الجنائي أسأل منو  عن شنو وليه؟

إذا فرتقت العبارة بتلقاها تديك محل المسئولية وسببها. يعنى شنو؟ منو المسئول جنائيا؟ منو طيب الما مسئول جنائيا؟

طيب المادة 8 من القانون الجنائي قالت( لا مسؤولية إلا على الشخص المكلف المختار.)

ليه بداية المادة لا مسئولية؟ دا الأصل فالأصل البراءة، والاستثناء أن تكون البراءة منقوضة. يعنى شنو يعنى الأصل تغير انتقض . يعنى شنو ما الأصل أنه لا مسئولية ..طيب الاستثناء يكون مسئولا ..منو الشخص؟ المكلف المختار.. طيب ما شخص يبقى ما مسئول يعنى ما في مسئولية يعنى الأصل قائم. فالبراءة مفترضة قانونا والافتراض القانوني غير قابل للنقض، أو إن شئت القرينة القانونية( أرجع لكتابي شرح قانون المعاملات المدنية لتعرف الفرق بين القرينة القانونية والحكم الموضوعي أو القاعدة القانونية و جوهرها أن القاعدة القانونية غير قابلة للنقض لكن القرينة قابلة للنقض وما ورد في المادة قرينة قابلة للنقض. أنا ما بقول الشخص المعين غير مسئول بضع قاعدة قانونية أنه حيث لا يكون المتهم المسند إليه الفعل شخصا لا يكون محلا للمسئولية الجنائية. عرفت ليه مصطلح محل المسئولية؟ طيب نستمر فحيث لا شخص لا محل للمسئولية. منو الشخص؟ أرجع للمادة 3 من القانون الجنائي. تشمل الشخص الطبيعي والاعتباري

معناها ما تتكلم على محل للمسئولية إن لم يكن أمامك شخص طبيعي أو اعتباري (معنوي عند البعض) وحأشرح ليك الفرق بين الاثنين في وقتها. بشروط تحمل المسئولية. شنو الشروط؟ ليس كل شخص طبيعي أو اعتباري مسئول جنائيا  يعنى شنو؟ يعنى إذا طبيعي غير مسئول إن لم يكن مكلف. مكلف؟ أيوه بالغ عاقل مش المادة 3 عرفت المكلف؟؟ الشخص البالغ للطبيعي والى عنده أهلية الالتزام للاعتباري؟ معناها كل شخص طبيعي بالغ عاقل مسئول جنائيا؟ لا الشرط أنه يكون مختار . ليه ما لأنه لو ما مختار ما حبيكون ارتكب الفعل مريدا ارتكابه يعنى اختار بنفسه أن يكون محلا للمسئولية، يعنى ما عمل عملته لأنه مكره معدوم أو سليب الإرادة.. يعنى ما عملها وهو قاصد وبإرادته لأنه عايز يرتكب الفعل. بالتالي لإن كان الشخص مكلف غير مختار لا يكون محلا للمسئولية.

أظنها واضحة نلتقى ونكمل….

على هذا الأساس وما لم يكن أسئلة تريدون طرحها ، محل المسئولية الجنائية الشخص المكلف المختار، معناه أسأل منو؟ الشخص المكلف المختار، ما  ح أسأل منو ؟ إذا ما شخص طبيعي أو اعتباري ، وإذا شخص طبيعي أو  اعتباري غير مكلف، وإذا شخص طبيعي أو  اعتباري ومكلف لكنه غير مختار، بمعنى لم يختر هو أن يرتكب الجريمة، يعنى فرضت عليه رغم إرادته، يعنى لم تتجه نيته لارتكاب الجريمة. دا معناه شنو؟ معناه مواصفات الشماعة لتعليق المسئولية أو الكتف اللي تتعلق فيه المسئولية شخص مكلف مختار. لذلك المشرع قال (لا مسئولية إلا على..) يعنى ما في  ليها محل ولعلك لاحظت( على ظرف المكان) والمكان هنا كتف الشخص البالغ العاقل المختار، لو ما في معناها ما عندك محل تعلق فيه المسئولية معناه تقع ، وتقع يعنى ما عندك قضية.

طيب دا محل المسئولية وعرفناه وسببها؟ سببها فعل غير مشروع يرتكب عمدا أو يقع بإهمال. قلت ليكم من قبل وفى رسالتي للماجستير والدكتوراه(لمن اطلع عليهما أو على أي منهما) تعبير يرتكب بإهمال غير موفق لأنه يرتكب معناها بنية معناها عمدى وهنا المسئولية خطئية يعنى عن خطأ مش عن عمد. (وبالمناسبة كنت عضو لجنة النظر في تعديل القانون الجنائي قبل فترة وأنا في السودان وتمت مناقشة الموضوع وكانت توصية من التوصيات للتعديل إلا أنه هذا التعديل لم ير النور حتى الآن لسبب أو آخر.)يبقى بسأل الشخص المكلف المختار عن فعل غير مشروع يرتكبه عمدا أو يقع منه بإهمال. يعنى بسأله ليه لأنه ارتكب فعل غير مشروع إما عن عمد وهنا المسئولية عمدية أو يقع الفعل غير المشروع لإهماله وهنا مسئولية غير عمدية.

كدا عرفنا بسأال منو وعن شنو. دي القاعدة العامة في القانون الجنائي وحجر الزاوية فيه إذا فهمتها صاح ما حبيكون عندك أي مشكلة مع القانون الجنائي لأنه مفاتيحه في جيبك.

المواد من 9 الى 18 تفصيلات لهذه القاعدة ونتناولها تفصيلا  لو أكدتو لي أنه القاعدة واضحة ومفهومة عشان نبنى عليها. منتظر إجابتكم.

سلام

سلام الله عليكم: نواصل ما انقطع:

قلنا أن المادة 8 من القانون الجنائي. وضعت القاعدة العامة للمسئولية الجنائية وأن المواد من 9 الى 18 تفاصيل للقاعدة العامة كيف.؟ مش قلنا بسأال منو؟ الشخص المكلف؟ وقلنا الشخص الطبيعي يكون مكلف وفقا للمادة 3 (نراجعها) وقلنا ما ح نسأل منو ؟ إذا ما شخص ما بسالة وإذا ما مكلف ما بنساله؟ أول تفصيل في المادة 9  (لا يعد مرتكبا جريمة الصغير غير البالغ على أنه يجوز تطبيق تدابير الرعاية والإصلاح الواردة في هذا القانون على من بلغ السابعة من عمره حسب ما تراه المحكمة مناسبا.)

معلومة مهمة جدا جدا لازم تلم بيها وكثيرا ما يختلط الأمر فيها على كثير من الزملاء بما فيهم بعض القضاة وهي الفرق بين موانع المسئولية الجنائية  وأسباب الإباحة. موانع المسئولية تعنى عدم قيام المسئولية أصلا لا عمدية و لا غير عمدية شفنا متين تكون عمدية ومتين غير عمدية. يعنى تمتنع في الحالة المحددة المسئولية الجنائية يعنى لا مسئولية، وانتبه لما المشرع يقول لا يعد مرتكبا جريمة… يعنى لا مجال لمساءلته قانونا . إذا كانت بداية النص لا يعد مرتكبا جريمة معناها الجاي مانع مسئولية . يعنى منصرف الأمر الآن لمحل المسئولية مش سببها. لكن لما تكون بداية النص لا يعد الفعل جريمة دا سبب إباحة يعنى الكلام عن سبب المسئولية. مش قلنا بسأل منو عن شنو؟ في موانع المسئولية ما حأسأله لقيام مانع مسئولية وفى الثانية ما ح أدينه لأنه الفعل غير جريمة يعنى ما عندي سبب للمسئولية الجنائية. يعنى ما حأسأله ليه لأنه إما لا محل للمسئولية أو لا سبب للمسئولية. واضح الأمر ؟ ما تخلط بين موانع المسئولية وأسباب الإباحة. انتبه موانع المسئولية متعلقة بالفاعل وأسباب الإباحة بالفعل . الأولى محل المسئولية والثانية سببها ركز في دي

يبقى المادة 9 أوردت مانع مسئولية ليه لأنه صغير لأنه غير مكلف .

غير مسئول ليه لأنه غير مكلف صغير لم يبلغ الحلم واضحة؟؟؟

طيب ما كدا ماشين نحن مع القاعدة اتفقنا أنه غير المكلف ما مسئول وكونه صغير معناها ما مكلف معناها تمتنع مسئوليته. الجديد شنو؟ الجديد المشرع قال طيب هو صحى ما مسئول لكن لو دا حاله من صغره ، دخل مجال الجريمة يعنى سلوكه منحرف معناه ممكن يكون مصدر خطر، لو فكيته كدا ساكت ممكن يرجع لي بأسوأ منها. يعنى سلوكه فيه انحراف معناه ما متربى كويس معناه ناقص تربية يبقى لازم  تدخل المحكمة لتقويم سلوكه وإحسان تربيته بالمحدد في  تدابير الإصلاح والرعاية الح نشوفها تفصيلا في موضعها.

يبقى أول تفصيل متعلق بمحل المسئولية وهو الصغر والصغير غير مسئول كما تقدم تمتنع مسئوليته .

حكومة السودان //ضد// م أ ا0 م0 وآخرين

نمرة القضية: م ع/ ف ج/356/2007م

المحكمة: المحكمة العليا

العدد: 2007

المبادئ:

·  قانون الطفـل لسنة 2004م – المسئولية الجنائية – متى تنعقد كاملة – عقوبة الإعدام – عدم تعارضها مع قانون الطفـل – المـادة (4) منه –

·  سـن الرشد – المقصود بها

– إن سن الرشد الواردة في المادة (4) من قانون الطفل لا يقصد بها سن الرشد وفقاً لأحكام قانوني المعاملات المدنية أو الأحوال الشخصية وإنما يقصد بها سن المسئولية الجنائية

– إن المسئولية الجنائية تنعقد كاملة إذا بلغ المدان الحلم وأكمل الخامسة عشرة من عمره ويجوز تطبيق عقوبة الإعدام حداً أو قصاصاً ولا يتعارض هذا مع قانون الطفل

الحكم:

القضاة:

سعادة السيد / محجـوب الأمين الفكـي   قاضي المحكمة العليا   رئيساً

سعادة السيد / محمـد علـي خليفــة    قاضي المحكمة العليا   عضواً

سعادة السيد / الرشيد التوم محمـد خير   قاضي المحكمة العليا   عضواً

المحامون:

الأستاذ/ صلاح الدين عمر إدريس                     عن طالب الفحص

الحكــم

القاضي: محجوب الأمين الفكي التاريخ: 12/8/2007م

قدم المتهمون س0 هـ0 م0 و إ0 ا0إ0 و م0 أ0 ا0 للمحاكمة أمام محكمة جنايات النصر التي قضت بإدانة كل من الأول والثاني تحت المادة (142) من القانون الجنائي وعاقبتهما كل بالسجن لمدة ثلاثة أشهر اعتباراً من 18/3/2007م وأدانت الثالث م0 أ0 ا0 تحت المادة (131) من القانون الجنائي وأمرت بإيداعه في دار تربية لمدة سنتين وبإلزامه وعاقلته بسداد دية قدرها 3 ملايين  دينار لأولياء دم المجني عليه تحصل وفقاً لنص المادة 45(5) من القانون الجنائي

محصلة الوقائع الثابتة كما أوجزتها محكمة الجنايات تتلخص في:

 

أقيم حفل زواج بحي مايو أثناء الحفل داس المرحوم  م0 ا0 آ0 هـ0 قدم المتهم الأول (بقصد أو خلافه) دار نقاش على أثره بينهما خرجا معاً بعيداً عن مكان الحفل واشتبكا معاً وتبادلا الضرب حضر المتهمان الثاني والثالث  أوسعا المجني عليه ضربا حيث قام المتهم الثالث بضربه بعكاز على رأسه أسقطته الضربة أرضاً نقل إلى مستشفى بشائر ثم إلى مستشفى الخرطوم حيث توفى متأثراً بارتجاج في الدماغ ونزيف تحت سحايا المخ

كان هذا الحكم موضوع استئناف أمام محكمة استئناف الخرطوم التي أيدت إدانة المتهمين الأول والثاني وألغت الحكم  في مواجهة المتهم الثالث تأسيساً على أنه عند ارتكابه الفعل بلغ من العمر 16 عاماً وينطبق عليه قانون الطفل وفقاً للمادة (4) منه ولم تتبع بشأن المحاكمة ما نص عليه قانون الطفل من إجراءات وبالتالي قررت إلغاء الحكم وإعادة الأوراق  لمحكمة الموضوع لإعادة المحاكمة على هدى ما جاء في مذكرتها .لم يجـد هـذا الحكـم القبـول من أولياء الـدم تقدموا بوساطة الأستاذ/ صلاح الدين عمر إدريس بطلب فحص التمسوا فيه إدانة المتهمين جميعاً تحت المادة (130) من القانون الجنائي تأسيساً على أن الأول والثاني اشتركا مع الثالث في قتل المرحوم فضلاً عن أن المتهم الثالث تنعقد مسئوليته الجنائية كاملة تطبيقا لنص المادة 1(2) إذ ارتكب فعلاً موجباً للقصاص وبالتالي لا ينطبق عليه قانون الطفل

موضوعاً:

بالنسبة للمتهمين الأول والثاني أرى أنه ليس هناك ما يستوجب التدخل بشأن الإدانة والعقوبة تحت المادة (142) من القانون الجنائي إذ لم يثبت أن هناك اتفاقاً سابقاً بينهما وبين المتهم الثالث على تسبيب موت المرحوم إذ تسلسلت الوقائع بعد أن داس المرحوم (سواء كان ذلك عن قصد أو دونه) رجل المتهم الأول وتناقشا ثم خرجا من مكان الحادث ثم تبادلا الضرب إلى أن لحق بهما المتهمان وتبادلوا الضرب لا تقطع البينة الطبية بأي أذى لحق بالمرحوم خلاف الإصابة في رأسه بعصا المتهم الثالث سوى جرح قطعي أسفل الشفة وسَجْحَة بمقدمة الرأس وذلك بعد تشريح جثة المرحوم وهذا على الأقل يثير شكاً معقولاً في استخدام المتهم الثالث والأول لعصا أو أية أداة أخرى وبالتالي تسبيب الأذى للمرحوم وعليه أرى تأييد الإدانة والعقوبة في حقهما تحت المادة (142) من القانون الجنائي

أما بالنسبة للمتهم الثالث:

بالرغم من اتفاقي مع الأستاذ/ المحترم مقدم الطلب أن المسئولية الجنائية تنعقد كاملة في الجرائم الموجبة للقصاص أو الحد إذا بلغ المدان الحلم وأكمل الخامسة عشرة من عمره وبالتالي يجوز توقيع عقوبة الإعدام حدا أو قصاصاً إعمالاً للقانون الجنائي ولا يتعارض هذا البتة مع أحكام قانون الطفل ويبدو أن هناك تفسيراً خاطئاً لأحكام قانون الطفل  قاد إلى تطبيق  خاطئ لأحكام هذا القانون إذ يجب ألا تقرأ بعض نصوصه بمعزل عن النصوص الأخرى ولا تفسر أيضاً بمعزل عن عداها من نصوص ودون الرجـوع لقواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لقضاء الأحداث بحسبانها المرجع في تطبيق وتفسير قانون الطفل عند غياب الفعل الإجرائي فيه تطبيقاً لنص المادة (57) من قانون الطفل

ولما كانت قواعد بكين قد استمدت من المادة 40(3) من الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل نص البند 2-2 من الجزء الأول لأغراض هذه القواعد تطبق  كل دولة من الدول الأعضاء التعاريف التالية على نحو يتمشى معها ومفاهيمها القانونية :

1- الحدث هو طفل أو شخص صغير السن ويجوز بموجب النظم القانونية ذوات العلاقة مساءلته عن جرم ارتكبه بطريقة تختلف عن طريقة مساءلة الطفل البالغ ويعني أيضاً أن الحدود العمرية تتوقف على النظام القانوني في البعد أو الدولة حيث نصت على ذلك بصراحة ووضوح القواعد المذكورة وذهبت إلى مدى أبعد حين وسعت نطاق تطبيقها حيث نصت في البند 2-3 على أن تبذل الجهـود لتوسيع نطاق المبادئ الواردة في القواعد فقط قيدت القواعـد الاتفاقية في البند 4 – 1 منها النظم القانونية التي تحـدد سن المسئولية الجنائية للأحداث (والسودان بين هذه النظم) بعدم تحديد سن المسئولية الجنائية على نحو مفرط في الانخفاض أخذاً في الاعتبار خصائص النضوج العاطفي والعقلي بحيث لا تقل عن السابعة ”

وقد قنن قانون الطفل هذا المبدأ ونص عليه صراحة في المادة 5(ز) حيث أورد الآتي :

” الطفل المتهم برئ إلى أن تثبت إدانته وتهدف محاكمته إلى إعادة تكييفه اجتماعياً ولا يسأل جنائيا ما لم يبلغ سن السابعة من عمره ”

ما كان المشرع في حاجة لهذا إلا لتأكيد هذا المبدأ أن المسئولية الجنائية وفقاً للتشريع الوطني ( القانون الجنائي راعت ذلك حيث تنعقد المسئولية الجنائية عند بلوغ الحلم وإكمال الخامسة عشرة من العمر

على ضوء هذا وبالرغم من العديد من الأحكام الصادرة من المحكمة العليا لم تزل محاكم الجنايات على التفسير الخاطئ لنص المادة (4) من قانون الطفل ولذا قادها إلى القول بأن كلاً من لم يبلغ سن الثامنة عشرة من العمر هو طفل ” إذ سبق أن قررنا أن سن الرشد الوارد في المادة (4) لا يقصد بها سن الرشد وفقاً لأحكام قانوني المعاملات المدنية أو الأحول الشخصية وإنما سن المسئولية الجنائية وفقاً لما تقدم وبالتالي تنعقد المسئولية الجنائية كاملة إدانة وعقوبة في الجرائم الموجبة للحدود والقصاص من جهة ومن جهة أخرى ينعقد الاختصاص لمحاكم الجنايات وليس لمحكمة الطفل يؤكد هذا نص المادة (55) من القانون الجنائي

ويبدو أن هذا الفهم سارت عليه محكمة الجنايات ومحكمة الاستئناف من بعد عندما قررت أن المتهم الثالث لم يبلغ سن المسئولية الجنائية بالرغم من أن عمره وقت ارتكاب الحادث كان 16 سنة وذلك وفقاً للقانون الجنائي وبالتالي قفزتا قفزاً على هذه النتيجة ورتبا على ذلك أثاره وكان ينبغي بعد أن ثبت إكمال المتهم السادسة عشرة من عمره أن يكون بلوغه الحلم من عدمه محل بحث وهذا مناط تقرير مسئوليته الجنائية من عدمه وليس وفقاً لأحكام قانون الطفل ابتداء

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لم تزل الكثير من نصوص قانون الطفل بعيدة عن التطبيق إذ لم تنشأ حتى الآن وبصورة فاعلة شرطة أحداث ونيابة أحداث وغير ذلك مما نص عليه القانون غير أن هذا لا يبطل الإجراءات كما ذهبت إلى ذلك محكمة الاستئناف بشأن المتهم الأول لأن محكمة الجنايات ذات اختصاص أيضاً وفقاً لنص المادة 57(3) إذ كان بين المتهمين البلغ طفل بالمعنى الذي أوردناه

سلف القول بأن المتهم الثالث – يبلغ من العمر 16 سنه وقت ارتكاب فعله وحتى تنعقد مسئوليته الجنائية يتعين إثبات أنه بلغ الحلم أيضاً وقت ارتكابه الفعل غير أن هذا أمر أغفله التحري ابتداءً وأغفلته محاكم الجنايات عند المحاكمة وعند الاستئناف استكمال هذا كان يقتضي إعادة الأوراق لمحكمة الجنايات للتحقق من بلوغ المتهم الثالث الحلم وقت ارتكابه الفعل (12/8/2006م) غير أنه يستحيل عملاً وواقعاً أن يحدد طبيب بعد مرور هذا الوقت هل بلغ المتهم الحلم فعلاً وقت ارتكابه الجريمة ” وبالتالي تصبح مسئوليته الجنائية محل شك يقتضي إعمال الشك لصالحه وتقرير عدم مسئوليته الجنائية وبالتالي استعادة ما قضت به محكمة الجنايات

خلاصة ما تقدم نؤيد إدانة المتهمين الأول والثاني وكذلك العقوبة في مواجهتهما نلغي حكم محكمة الاستئناف بشأن المتهم الثالث ونستعيد قضاء محكمة الجنايات في شأنه

القاضي: الرشيد التوم محمد خير التاريخ: 14/8/2007م

أوافق ولا أخالني في حاجة لإضافة لما توصل إليه الأخ العالم مولانا محجوب فقد أفاض وأجاد

القاضي: محمد علي خليفة التاريخ: 15/8/2007م

أوافق تماماً أخي محجوب في مذكرته الضافية ولا مزيد عليها

الأمر النهائي:

1-     نؤيد إدانة وعقوبة المتهمين الأول والثاني

2- يلغى حكم محكمة الاستئناف بشأن المتهم الثالث ونستعيد حكم محكمة الجنايات في شأنه

محجوب الأمين الفكي

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

16/8/2007م

نتابع التطبيق العملي ونركز هنا على مانع المسئولية:

حكومة السودان //ضد// إسماعيل علي سليمان

المحكمة العليا القضاة : سعادة السيد/ عبد الجليل آدم حســــين قاضي المحكمة العليا رئيساً سعادة السيد/ عبد الله الفاضـل عيســي قاضي المحكمة العليا عضواً سعادة السيد/ محمد سعيد بابكر خوجلــي قاضي المحكمة العليا عضواً

حكومة السودان //ضد// مبارك يونس حماد وآخرون م ع / ف ج / 318 / 1997م

المبادئ: القانون الجنائي لسنة 1991م – المادة 168 – الحرابة قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – المادة 49 – الفحص الطبي على المشتبه فيه 1- جريمة الحرابة جريمة حدية يجب الوقوف عندها ومناقشتها طالما قامت البينة عليها ولا يجوز للقاضي غض الطرف عنها 2- قطاع الطرق هم الذين شهروا السلاح وقطعوا الطريق للناس ومنعوهم من المرور أو قصدوا سلبهم أو إخافتهم جهاراً خارج العمران أو داخل المدن عند جمهور الفقهاء إذا تعذر الغوث

رأي مخالف : إذا تمت السرقة داخل منزل يحرسه خفير وقد تم ضبط الجاني ويصيب الجاني الحارس بجرح هذا لا يقود إلي القول بأن المتهم والجاني قد ارتكبا جريمة الحرابة بل هو قد ارتكب جريمة تحت المادة 175 من القانون الجنائي 3- في حالة الشبهة في البلوغ يجب إرسال المتهمين للكشف الطبي عليهم وفق أحكام نص المادة 49 من قانون الإجراءات الجنائية لمعرفة البلوغ

رأي مخالف : التقرير الطبي الذي يعده المساعد الطبي لا يقبل في الإثبات بمجرد تقديمه بل لابد من إقرار المتهم به وإلا سمع معده على اليمين وفق نص المادة 162(2) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م مقروءة مع المادتين 30 و 31 من قانون الإثبات لسنة 1993م إذا طلب الاتهام أو الدفاع ذلك

الحكم: القاضي : عبد الجليل آدم حسين التاريـخ : 6/8/1997م هذا طلب استرحام تقدم به الأستاذ / أبو القاسم عبد المكرم أبو زيد المحامي نيابة عن الشيخ أحمد عمر فحواه أن المتهم حبس بالإصلاحية لمدة عامين وقد مضت نصف المدة وهو طالب بمدرسة بري اللاماب بنين وأرفق شهادة القيد وان المتهم صغير السن وليس له تجارب وان عقوبة السجن لمدة عامين قد تؤثر علي سلوكه وتحرمه الرفقة الحسنة ويؤثر في مستقبله كثيراً والتمس إطلاق سراحه بعد أن بين التزام أهله بالإشراف عليه هذا وقد أدين المتهم الشيخ أحمد عمر أمام محكمة جنايات الخرطوم شرق في القضية غ أ/14/حدي/96 وحكم عليه بالحبس بالإصلاحية لمدة عامين هذا وقــد تأيد ذلك بقرار محكمة استئناف ولاية الخرطوم نمرة أ س ج/3/97 بتاريخ 22/3/1997م هذا الطلب يعامل معاملة الفحص بموجب المادة 188 إجراءات لسنة 1991م وبعد فحص الأوراق نجد فحوى البلاغ أن المتهم إبراهيم أبكر آدم وآخرين قد تعدوا بالدخول إلي منزل السيد أحمد سليمان وشرعوا في السرقة وأن المتهم الأول قد سبب له الأذى بطعنه بالسكين حينما ما حاول القبض علي المتهم الأول وهو الذي دل علي بقية المتهمين فتم القبض عليهم ومن خلال ما طرح من البينات والإقرار الصادر من المتهم باستقراء البينة الواردة من إقرارات قضائية وبينات مادية وقرائن حال تعضد وتؤيد إفادة الشاكي علي اليمين أري أن فعل المتهمين إبراهيم أبكر والشيخ محمد عمر ومبارك يونس حماد وحيدر إسماعيل الريح تشكل جريمة تحت المادة 168 من القانون الجنائي بالتمالؤ فيما بينهم فقد ثبت عنصر التمالؤ والاشتراك والاتفاق الجنائي وفق نصوص القانون الجنائي لسنة 1991م وقد استشكل الأمر علي محكمة الموضوع وأخطأت خطأً جسيماً  في التكييف القانوني للوقائع وقد شاركت محكمة الاستئناف في ذلك إذ فرقت بين فعلي السرقة وتسبيب الجراح العمدية والسطو ليلاً إن جريمة الحرابة جريمة حدية يجب الوقوف عندها ومناقشتها طالما قامت البينة عليها ولا يجوز للقاضي غض الطرف عنها قطاع الطرق هم الذين شهروا السلاح وقطعوا الطريق للناس ومنعوهم من المرور أو قصدوا سلبهم أو إخافتهم جهاراً خارج المصر أو داخل المدن عند جمهور الفقهاء وقد نزلت في شأن قطاع الطرق والمفسدون في الأرض الآية (32 34) من سورة المائدة ارجع إلي تفسير الرازي الجزء (3) قال الإمام إن الحرابة هي إشهار السلاح وقطع السبيل خارج السكن أو داخله ويري أن الحرابة تكون خارج السكن ولكن إذا ضعف السلطان كضعفه في هذا المصر ووجدت شوكة اللصوص ومغالبتهم تكون داخل السكن أنظر المدونة ويري الإمام أبو يوسف من الأحناف أن اللصوص الذين يكبسون الناس ليلاً في بيوتهم في الحضر بمنزلة قطاع الطريق وتجري عليهم أحكامهم أنظر أحكام القرآن للجصاص ويرى الإمام الظاهري ابن حزم في المحلي (توجب ما ذكرنا إن المحارب هو المكابر المخيف لأهل الطريق المفسد في سبيل الأرض سوى بسلاح أو بلا سلاح الخليفة أو الجامع سواء فعل ذلك بجنه أو بغير جنه منقطعين في العراء أو أهل قرية سكانا في دورهم أو أهل حصن كذلك كل من حارب المارة أو أخاف الطريق بقتل نفس أو أخذ مال أو لجراحة أو لانتهاك فرج فهو محارب عليه وعليهم كثروا أو قلوا وأنظر أيضاً في المحاربين المفسدين المغني لابن قدامه ويري الإمام محمد عبده في تفسير الآية (33 و43 ) من سورة المائدة في تفسير المنار للحرابة تشمل المحاربين المفسدين في الأرض وهم الذين يعملون أعمالا مخلة بالأمن والأنفس والأموال والأعراض معتصمين في ذلك بقوتهم غير مذعنين للشرع باختيارهم 0 يقول الإمام محمد عبده في تفسير آية الحرابة في تفسير المنار (أما كون هذا النوع من العدوان محاربة لله ولرسوله فلأنه اعتداء علي شريعة السلم والأمان والحق والعدل الذي أنزله الله علي رسوله بمحاربة الله ورسوله هي عدم الإذعان لدينه وشرعه في حفظ الحقوق ال= على أكل الربا “فأذنوا بحرب من الله ورسوله” ليس معناه محاربة المسلمين فمن لم يذعنوا للشرع فيما يخاطبهم به في دار الإسلام يعدون محاربين لله ولرسوله عليه السلام فيجب علي الإمام الذي يقيم العدل ويحفظ النظام أن يقاتلهم عند ذلك كما فعل الصديق رضي الله عنه بمانعي الزكاة والفساد ضد الإصلاح فكل ما يخرج عن وضعه الذي يكون به صالحاً نافعاً يقال أنه أفسد ومن عمل عملاً كان سبباً لفساد شيء من الأشياء يقال أنه أفسد فإزالة الأمن من الأنفس والأموال والأعراض ومعارضة تنفيذ الشريعة العادلة وإقامتها كل ذلك إفساد في الأرض روي عن ابن حميد وابن جرير عن مجاهد أن الفساد هنا الزنا والسرقة وقتل الناس وهلاك الحرث والنسل) وهو مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف من الأحناف ومذهب القانون الجنائي لسنة 1991م حيث عرف المحارب بأنه من يرهب العامة (2) أو يقطع الطريق وذلك بقصد ارتكاب جريمة (أ) علي الجسم أو (ب) على العرض (ج) أو المال وأن يقع ذلك الفعل : (أ) خارج العمران في البر أو البحر والجو أو داخل العمران مع تعذر الغوث أي اللجوء لحماية الدولة 0 (ب) أن يستخدم السلاح أو أي أداة صالحة للإيذاء أو التهديد والثابت بالبينة من إقرار المتهمين القضائي وإفادة الشاكي المسلوب علي اليمين أن المتهمين إبراهيم أبكر ومبارك يونس وحيدر إسماعيل قد سطوا بالاشتراك والتمالؤ على المنزل الذي يقوم المسلوب بحراسته وكسروا المنزل وسرقوا وسببوا الأذى للحارس وذلك بتسبيب الجراح العمدية بسكين إذ يعتبر كل واحد منهم مسئولاً عن الجريمة كما لو كان قد ارتكبها وحده نص المادة (21) من القانون الجنائي 1991م فقد ثبت عنصر التمالؤ والاشتراك والاتفاق الجنائي بينهم وعليه فكل واحد منهم يعتبر مرتكباً لجريمة تحت المادة 168/21 من القانون الجنائي 1991م وهي جريمة الحرابة المعرفة في نص المادة 167 من القانون الجنائي 1991م وقد ثبتت عناصر هذه الجريمة بالبينة الشرعية إقرار المتهمين يشترط فقهاء الشريعة الغراء والقانون الجنائي 1991م أن يكون المتهم بالغاً عاقلاً إذ لا مسئولية إلا علي الشخص المكلف البالغ أنظر المادة 8/1 من القانون الجنائي 1991م ونصت المادة (9) من القانون الجنائي 1991م لا يعتبر مرتكباً جريمة الصغير غير البالغ وقد عرفت المادة (3) من القانون كلمة بالغ بأنها تعني الشخص الذي ثبت بلوغه الحلم بالإمارات الطبيعية القاطعة وكان قد أكمل الخامسة عشرة من عمره وقد اعتبر القانون بالغاً كل من أكمل الثامنة عشرة من عمره ولو لم تظهر عليه علامات البلوغ الطبيعية ولمـا كان الثابت بالمحضر أن الجاني الشيخ أحمد عمره (16) ومبارك يونس حماد (15) وحيدر إسماعيل (15) سنة ولما كان المتحري والسيد وكيل النيابة قد أهمل إهمالاً جسيماً يرقي إلي المساءلة القانونية الإدارية بعدم إرسال المتهمين للكشف الطبي عليهم وفق أحكام نص المادة (49) من قانون الإجراءات الجنائية لمعرفة البلوغ بالعلامات الطبيعية وهو أمر لا يحتاج إلي أخصائي فيكفي عملاً بنص المادة (49) إجراءات الكشف الطبي بواسطة المساعد الطبي ولا نحسب أن السيد وكيل النيابة يجهل القواعد الأساسية للتحري وفق قانون الإجراءات الجنائية ولا نرضي للسيد قاضي الجنايات إهماله عن سؤال المتهمين عن بلوغهم تداركاً وتفاديـاً لبعض آثار إهمال النيابة وعلي كل فإن هـذا قد استفاد منه المتهمـون الثلاثة المذكورون ولا يصح أن نأمر نحن بذلك حيث أن الجريمة قد حدثت بتاريخ 19/10/1996م ووضعت الأوراق أمامنا بتاريخ 5/8/1997م أي ما يقارب العام فلربما كان الواحد منهم غير بالغ ثم بلغ خلال هذه المدة ولفقهاء الشريعة الغراء أقوال في مسألة البلوغ وعليه فقد قامت شبهة في البلوغ بالنسبة للمتهمين الثلاالقانون الجنائي 1991م ثة وعليه فإن أفعال المتهمين الثلاثة وإن كانت تشكل جريمة مع فعل المدان الأول تحت المادة 167/21 فإنهم لا يعتبرون قد ارتكبوا جريمة عملاً بنص المادة (9) من القانون الجنائي 1991م نري أن محكمة الاستئناف قد جانبها الصواب عندما فرقت بين السرقة وتسبيب الجراح العمدية إذ أن الوقائع تشكل جريمة الحرابة المعرفة في 167/21 المعاقب عليها تحت المادة 168 من القانون الجنائي 1991م لم يثبت بالمحضر ما يؤدي إلي إسقاط جريمة الحرابة وفق نص المادة 169 من القانون الجنائي 1991م ومن ثم تظل الجريمة حدية الأمر الذي يوجب إلغاء الإدانة والعقوبة وإعادة الأوراق إلي محكمة الموضوع للنظر في تقرير الإدانــة بالنسبة للمدان الأول تحت المادة 168 من القانون الجنائي 1991م ونأذن لمحكمة الموضوع لأخذ أية بينة ضرورية تراها أو أي دفوع يتقدم بها المدان وأن تضع في الاعتبار نص المادة 22/1و2 من قانون الإثبات والمادة 20 إثبات نوافق محكمة الاستئناف في أن محكمة الموضوع قد أهملت جريمة القصاص فيما دون النفس ولم تتبع بشأنها أحكام القانون والشريعة وقد أهملت تحديد نوع الجراح ودية أو ارش كل واحد منها حيث أن دية أو أرش كل جرح محددة شرعاً وقانوناً وأنها تتعدد بتعدد الجراح كما أن محكمة الموضوع قد أخطأت حيث لم تحكم بالقصاص رغم وضوح نص المادة 168 من قانون الإجراءات الجنائية إذ يجب عليها أن تسبب قرارهـا بعدم توقيع القصاص ومن أخطاء محكمة الموضــوع أنها لم ترسل الأوراق للتأييد وفق نص المادة 181 من قانون الإجراءات الجنائية إذ صدر الحكم بتاريخ 12/11/1996م كما أن المحضر لا يثبت أن القاضي قد أعلن المدانين بحقهم في الاستئناف أري تأييد إرسال الجناة الثلاثة إلي الإصلاحية لمدة سنتين لكل واحد منهم إذ أن مسلك الجناة الثلاثة من أخطر السلوك الإجرامي وليس بالمحضر ما يثبت بأن الجناة تلاميذ بالمدارس نؤيد الإدانة والعقوبة بالنسبة للمدان ممدوح محمد كمال ونؤيد قرار شطب الاتهام في مواجهة بقية المتهمين القاضي : محمد سعيد بابكر خوجلي التاريـخ : 1997م أوافق

رغم أن التشكيل يشير الى أنى عضو في هذه الدائرة إلا أن رأيي لم ينشر ويمكنكم الرجو ع الى أصل المجلة، وما ورد هنا على قلم المغفور له بإذن الله مولانا عبدالجليل من حيث الجوهر عن فعل الصغير صحيح، لكنى كنت قد رأيت أن الجريمة هنا سرقة مشددة. يهمني الآن الجزء المتعلق بالمادة 9 من القانون الجنائي 1991.

وإليكم هذا الحكم ولكم طبعا ملاحظة أن الحكم كان في ظل قانون العقوبات الملغى لكن النظرية العامة واحدة في القانونين، ومن شروط إقامة الإدانة في 251 (130/1 الحالية) أن تناقش موانع المسئولية وأسباب الإباحة على سبيل اللزوم لتصل الى الإدانة وراء الشك كالمطلوب قانونا:

المحكمة العليا

القضاة :

السيد/ عبد المنعم الزين النحاس         قاضي المحكمة العليا            رئيساً

السيد / أحمد جعفر حامد                قاضي المحكمة العليا            عضواً

السيد/ يوسف دفع الله                   قاضي المحكمة العليا            عضواً

حكومة السودان / ضد / مصطفى سليمان كتوبى

النمرة : م ع / م ك/51/ 1989م

قانون العقوبات : القتل شبه العمد – إضافة عقوبة السجن تعزيزاً إلى عقوبة الدية – المنشور الجنائي رقم 94/ 83

جاء بالمنشور الجنائي 94/ 83 “إذا أسقط الأولياء حقهم بالعفو أو الصلح يظل الحق الثاني – أي حق الله أو الحق العام – قائماً ويؤخذ من الجاني بالعقوبة التعزيرية سجناً وجلداً تأسيساً على ما ورد في الفقه المالكي” ينسحب هذا الحكم على عقوبة القتل العمد فيجوز أن تضاف إلى الدية عقوبة السجن تعزيزاً

المحامون : عبد العظيم قسم الله عبد الله

الحكــــم

القاضي : يوسف دفع الله :

التاريخ : 9/10/1989م

في 14/1/1989م انعقدت محكمة كبرى بالقضارف برئاسة قاضي الدرجة الأولي الزبير محمد خليل لمحاكمة المتهم مصطفى سليمان كتوبي تحت المادة 251 من قانون العقوبات لسنة 1983م وفي 11/4/1989م أدانته بموجب مادة الاتهام وعاقبته بالإعدام شنقاً حتى الموت أرسلت إلينا أوراق المحاكمة للتأييد بموجب المادة 234 من قانون العقوبات تعديل لسنة 1406هـ كما تقدم المتهم باستئناف ينكر فيه التهمة واستئناف آخر من قبل محاميه الأستاذ عبد العظيم قسم الله عبد الله

تتلخص الوقائع كما أخذت بها محكمة الموضوع أنه في 16/10/88 بحى روينا مدينة القضارف كان المرحوم وشهود الاتهام لوقا وعلى قدوم ويوسف لوقله والحرمة خديجة عباس يجلسون في منزل الأخيرة في غياب زوجها المدعو عوض في حوالي الساعة الخامسة مساء من ذلك اليوم جاءهم هناك المتهم شاهراً سكينه مهدداً الحرمة خديجة وعلى قدوم متهماً الأولي بأنها تحضر زوجته نادية للثاني لعلاقة غير مشروعة رغم إنذاره لعلى قدوم مراراً كان المتهم في طريقه لطعن على قدوم إلا أن المرحوم ومن كانوا هناك أمسكوا به ومنعوه من إتمام ما أقدم عليه وهنا قال المرحوم للمتهم “أنت أمسك زوجتك” طلب الحاضرون في تلك اللحظات من على قدوم أن ينسحب ويذهب إلى منزله تفادياً لتطور المسألة فانسحب في الحال وبعده بقليل انسحب المرحوم وذهب إلى منزل شقيقه حسن ودخله إلا أن المتهم طارده إلى هناك ووقف بالباب وعند خروجه طعنه طعنة واحدة في بطنه أمسك المجني عليه بيده على مكان الطعنة وهرع إلى نقطة الشرطة فأسعف في الحال إلى المستشفى حيث حجز للعلاج ولكنه توفي في اليوم التالي جاء في التقرير الطبي ما يلي: هناك جرح نافذ بالجهة اليمين من البطن بين الأضلع 10-11 عمق حوالي 15 سم وطول حوالي 5سم في عملية الاستكشاف اتضح أن هناك جرح نافذ بالقرب من الكبد ونافذ خلال الأمعاء الدقيقة من ثلاثة أماكن محدثاً تمزيقاً طوله في كل حوالي 6 سم وكان هناك نزيف من أحشاء الأمعاء الدقيقة – كمية النزيف حوالي 3 ونصف لتر من الدم وأعطي زجاجة دم وثلاثة لتر سوائل وتوفي في الساعة الرابعة مساء نتيجة هبوط نتيجة للنزيف أيد الطبيب هنا التقرير في شهادته أمام المحكمة وقال أن التقرير كان بعد عملية الاستكشاف التي أغنت عن التشريح وأن الوفاة كانت نتيجة الطعنة وليس هناك أي احتمال لأن تكون لأي سبب آخر

أبدى محامى المستأنف الأسباب الآتية :

(أ) استندت محكمة الموضوع في الإدانة على أقوال المحتضر التي أخذت في غياب المتهم والطبيب كما أن المرحوم كان وقتها بصحة جيدة

(ب) شهادة المتحري غير مقبولة لأنها شهادة سماعية

(ج) شهود الاتهام الثالث والرابع والسادس شهادتهم غير مقبولة لأنها شهادة سماعية

(د) شهادة شاهد الاتهام الثاني شهادة شاهد عدائي

(هـ) جريمة القتل العمد لم تثبت لافتقارها للنصاب الشرعي للشهادة

الوقائع سابقة البيان ثبت بما لا يدع مجالاً لشك معقول فواقعة وجود شهود الاتهام 2 و 3و 6 مع شاهدة الاتهام (4) وفي منزلها شهد بها الجميع وتطابقت في جميع مراحل القضية تبين أنهم كانوا يجلسون هناك عندما جاء المتهم شاهراً سكينه مهدداً المدعو على قدوم ” ش أ ت 2″ أنه في علاقة غير شريفة مع زوجته وأنه إذا وجدها معه مرة أخرى فسوف يطعنه وهذه الرواية تمضي إلى القول بأن المتهم في تلك اللحظة كان في حالة هجوم على المدعو علي قدوم ولكن حيل بينه وبين الاعتداء وما أثار المتهم لأن يطعن المرحوم هو أن الأخير قال له “أنت ما تمسك زوجتك” وقد أكد ذلك المرحوم في أقواله كمحتضر من أن هذه العبارة هي التي دفعت المتهم لأن يطعنه جميع هؤلاء الشهود قالوا في جميع مراحل القضية أن زوجة المتهم لم تكن هناك معهم في بيت خديجة ” ش أ ت 4 ” و لكنا نجد المتهم يقف وحده في هذه الواقعة حيث قال بعد الحادث بحوالي ساعة واحدة ما يلي : يوم الحادث ذهبت لمنزل عوض أنا وهو متزوجين أخوات ووجدت زوجتي وعلى قدوم وزوجة عوض بمنزل عوض وأنا قلت لعلى قدوم أنت قبل ذلك سرقت هذه المرأة أي زوجتي من البلد وتانى مرة ما تقعد معها وعلى قال لي أنا ما بتركها وأنا قلت له بعد ما أرجعها لأهلها بعد ذلك آخذ مالي ممكن تأخذها وفجأة حضر المصاب بشير جمال وقال لي أنت كل مرة تعمل شكلة مع على أنت أمسك زوجتك وأنا قلت له المرأة مش بهيمة يربطوها وأنا ما بمنعها من أختها وذهب المصاب بشير إلى جهة منزل أخيه حسن ولكنه وقف تحت الشجرة وأنا مريت بالطريق وهو ضربني بسيخة شكل حربة وأنا مسكت الحربة منه وهو جرى هارباً وترك لي الحربة بيدي أنا ما عندي سكين وما ضربت المصاب وما طعنته

وأمام محكمة الموضوع نجد المتهم اختلفت روايته بعض الشيء حيث قال أنه وجد زوجته قاعدة ساكت في عنقريب مع على قدوم داخل قطية في منزل خديجة بينما كان الرجال يجلسون في الحوش ولم يكن المرحوم موجوداً في ذلك الوقت وإنما حضر في وقت لاحق وأضاف المتهم أنه لم يكن يحمل سكيناً ناهيك عن أنه كان شاهراً لها

والمرحوم أدلى بأقواله في اليوم التالي وهو بالمستشفي وكانت حالته خطرة حسب تقرير الطبيب المحرر يوم الحادث كرر نفس الرواية التي قال بها شهود الاتهام 2 و 3 و4 و6 ولكنه اختلف مع رواية شاهدة الاتهام (5) حليمة حيث قالت الأخيرة أن المتهم لحق بالمرحوم الذي دخل منزلها جارياً وطعنه عندما جاء خارجاً من المنزل والمرحوم قال أن المتهم لحق به وطعنه قبل أن يدخل منزل حسن والرواية التي قال بها المرحوم وهو محتضر هي التي تتماشى مع السياق العام للبينات فلا يعقل أن يطارد المتهم المرحوم ثم ينتظره في الخارج وكان بوسعه إن أراد أن يدخل القطيه وراءه هذا من حيث إكمال الصورة للحادث ولكن المهم في رأيي أن المتهم لم يثر ثورة شديدة أفقدته وعيه بغرض وجود زوجته في القطية مع على قدوم ذلك لأن الأخير انسحب بناء على رغبة من كانوا هناك وبالتالي زال مصدر الاستفزاز وما تلى ذلك هو المهم حيث أن قول المرحوم للمتهم “أنت ما تسمك زوجتك” أمام الآخرين أثارته وكانت السبب الرئيسي للطعنة القاتلة كما قال بذلك المرحوم نفسه وهذه العبارة فيها استفزاز حيث تعنى أن سلوك الزوجة غير شريف وليت الاستفزاز وقف عند هذا الحد فقد امتدت يد المرحوم في الطريق بسيخة ضرب بها المتهم في بطنه وقد انتزعها المتهم منه بقوة كان لها أثر في أصابعه وقد أكد المتحرى كل ذلك عندما وصف الأذى الذي لاحظه بالمتهم بعد الحادث مباشرة وأضاف أنه عند القبض على المتهم وجده في منزله وبيده السيخة المعروضة وعند سؤاله عنها أجابه المتهم بأنها السيخة التي ضربه بها المرحوم “أنظر شهادة المتحري كشاهد الاتهام الأول – ص3 و 6 و 7 من محضر المحاكمة وص 2 من اليومية ” هذا الشق من أقوال المتهم للمتحرى بعد لحظات من وقوع الحادث وثباته على القول بهذه الواقعة أمام محكمة الموضوع وتأييد الطبيب لذلك يجعلنا نركن إلى تلك الأقوال ونصدقها فقد جاء في تقرير الطبيب عن المتهم ما يلي : “يوجد به جرح قطعي على البطن وجرح قطعي على اليد اليمنى”

مما تقدم يمكننا القول بأن عبارة الاستفزاز الصادرة من المرحوم زائداً تحرشه بالمتهم في الطريق وضربه إياه بسيخة أحدثت به أذى باليد والبطن على النحو الموصوف بتقرير الطبيب هي أحداث كفيلة بأن تجعلنا نصل إلى قناعة بأن الحادث وقع أثر استفزاز شديد ومفاجئ حيث تمكن المتهم من أخذ السيخة من يد المرحوم ولحق به قبل أن يدخل منزل أخيه حسن وطعنه وهنا نأخذ بأقوال المرحوم كمحتضر أن المتهم طعنه قبل أن يدخل البيت المذكور ومن جهة أخرى فإن ضرب المرحوم للمتهم في الطريق بالسيخة أحدثت به أذى وانتزاعها بواسطة المتهم ومحاولة المرحوم الدخول إلى منزل أخيه تدعونا إلى القول بأن المعركة لم تنته بعد وما محاولة الدخول إلى المنزل إلا للاستعداد بسلاح آخر ومعاودة العراك كل ذلك يبدو مقنعاً للقول أيضاً بأن الحادث وقع أثناء معركة مفاجئة لم يدبر لها وفي فورة الغضب ومن ثم يستفيد المتهم من الاستثنائيين الواردين بالمادة / 249 (1) و (4)

أما من حيث حق الدفاع الشرعي عن النفس نجد أن رواية المتهم تتفق مع رواية المرحوم فقد تمكن المتهم من أخذ السيخة من المرحوم ثم سار الأخير في طريقه إلى منزل أخيه وهذا يعنى أن الخطر قد زال ولا ينشأ بعده دفاع شرعي عن النفس

ومن حيث موانع المسئولية فالمتهم يبلغ من العمر حوالي 25 عاماً وقت الحادث أي بلغ سن الحلم التي حددها المنشور الجنائي بثمانية عشر سنة ومن ثم فهو مسئول عما يرتكبه من جرائم ومن حيث سلامة العقل فليس به جنون دائم أو مؤقت ولم يقل ذلك أحد من هيئة الاتهام أو المحكمة ولم يدفع به المتهم وقد سارت المحكمة في إجراءاتها على أنه سليم العقل ومما تقدم فإن المتهم يستفيد من استثناء المعركة المفاجئة مما يستوجب تعديل القتل من العمد إلى شبه العمد والعقوبة بالدية ولكنا نرى أن تضاف إلى الدية عقوبة السجن تعزيراً عملاً بالفقه المالكي حسب المنشور الجنائي 94/ 83 هناك من رأي يقول أن المنشور الجنائي 94/ 83 الذي وجه بأن يؤخذ بالعقوبة التعزيرية سجناً وجلداً عملاً بالمذهب المالكي إذا ما عفى أولياء الدم عن حقهم ذلك بأن حق الله يبقي قائماً هذا الرأي يقول بأن المادة 308 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م نصت على أنه لرئيس القضاء أن يصدر منشورات يحدد فيها المذهب أو المذاهب التي تتبعها المحاكم في تطبيق القواعد الشرعية وقد جاء المنشور الجنائي بجواز إضافة عقوبة تعزيرية بعد العفو أو الدية ولما كانت العقوبة التعزيرية لم ينص عليها المشرع في المادة / 251 والمادة 353 عقوبات وهي ليست من القواعد الشرعية فيكون المنشور الجنائي 94/ 83 خالف نص المادة 308 – إجراءات جنائية ومن ثم لا يعمل به

نحن نخالف هذه الرأي ونقول أن العقوبة التعزيرية هي من القواعد الشرعية إذ تتصل بالعقوبة من حيث هي وبالتالي فقد خول المشرع لرئيس القضاء أن يصدر بشأنها منشوراً أو منشورات لها قوة القانون ما دامت مستمدة من القانون فالقواعد إما أصولية لغوية وأما أصولية تشريعية فالأولى هي ما يتعلق بالأساليب في اللغة العربية “أنظر علم أصول الفقه لعبد الوهاب خلاف – الطبعة الثانية عشرة – ص 140” والثانية هي ما استمدها علماء أصول الفقه الإسلامي من استقراء الأحكام الشرعية ومن استقراء عللها وحكمها التشريعية فكل حكم شرعي ما قصد به إلا تحقيق مصالح الناس بكفالة ضرورياتهم وتوفير حاجياتهم وتحسيناتهم “المرجع السابق ص 198 وما بعدها” فالمراد شرعاً بالضروري هو ما تقوم عليه حياة الناس ولابد منه لاستقامة مصالحهم وإذا فقد اختل نظام حياتهم ولم تستقم مصالحهم وعمت فيهم الفوضى والمفاسد والأمور الضرورية للناس بهذا المعنى ترجع إلى حفظ خمسة أشياء : الدين والنفس والعقل والعرض والمال فحفظ كل واحد منها ضروري للناس مضي المؤلف يبين ما شرع للأمور الضرورية في هذه الأشياء الخمسة وفيما يتعلق بالنفس تكلم عن الزواج والطعام الخ وضمنها القصاص والدية والكفارة إذاً فالعقوبة من حيث هي من القواعد الشرعية فنص المشرع عليها في كثير من مواد قانون العقوبات لسنة 1983م وما كان منها ضرورياً في بعض الأحيان كجواز التعزير فوق ما نص عليه خول رئيس القضاء أن يصدر منشورات لإيضاحها وشرحها وكل ذلك مفهوم من نص المادة 308 من قانون الإجراءات الجنائية الواضح

هذا ما كان من أمر العقوبة التعزيرية في حالات القتل العمد إذا عفا أولياء الدم عن القاتل وينسحب ما نقوله في هذا الصدد على القتل شبه العمد إذ أخذ المشرع بمبدأ الإمام مالك الذي يقسم القتل إلى قتل عمد وقتل خطأ ثم قسم المشرع أنواع القتل إلى ثلاثة أنواع زاد على ما سبق القتل شبه العمد يوجب مالك أن يعاقب القاتل تعزيراً كلما امتنع القصاص أو سقط عنه لسبب من الأسباب فيما عدا سقوطه بالموت طبعاً وسواءً بقيت الدية أم سقطت هي الأخرى ويرى أن تكون العقوبة الحبس لمدة سنة والجلد مائة جلده “مواهب الجليل ج 6 ص 268 ” والتشريع الجنائي الإسلامي لعبد القادر عودة – ج2 – ص184″ ولا يرى باقي الأئمة هذا ويقولون أن هذا حق الله تعالى أي حق للجماعة بعد سقوط القصاص وهي تأديب للقاتل يرجع نفعه للناس كافة ويقول ابن رشد عن أبي ثور أن القاتل إذا كان معروفاً بالشر وسقط القصاص عنه بسبب عفو ولي الدم فإن للإمام أن يؤدبه على قدر ما يرى والأئمة الثلاثة لا يوجبون عقوبة معينة على القاتل إذا سقط القصاص أو عفي عنه ولكن ليس عندهم ما يمنع من عقاب القاتل عقوبة تعزيرية بالقدر الذي تراه الهيئة التشريعية صالحاً لتأديبه وزجر غيره “التشريع الجنائي لعبد القادر عودة ج2 ص 184” قال الإمام الليث بمثل ما قال به الإمام مالك وكذلك قال أهل المدينة أما الإمام الشافعي والإمام أحمد واسحق   فيرون أن ليس للسلطان أو الحاكم أو القاضي ذلك الحق في التعزير لعدم ورود نص بذلك “أنظر أيضاً بداية المجتهد ونهاية المقتصد الجزء الثاني ص 494”

وقد أخذ القانون السوداني بمذهب الإمام مالك في هذه الحالات عن طريق رئيس القضاء موجهاً بتعزير الجاني الذي يعفى عنه إذ قال : “وعليه فإذا أسقط الأولياء حقهم بالعفو أو الصلح يظل الحق الثاني- أي حق الله أو الحق العام – قائماً ويؤخذ من الجاني بالعقوبة التعزيرية سجنا ًوجلداً تأسيساً على ما ورد في الفقه المالكي” بهذا أخذت المحكمة العليا في كثير من أحكامها “أنظر حكومة السودان ضد أبو كلام الطاهر العبيد وآخرين نشرة الأحكام الرباعية محرم – صفر – ربيع أول – 1405هـ”

لهذا الأسباب أرى أن نلغي الإدانة تحت المادة / 251 عقوبات ونستبدلها بالإدانة تحت المادة / 253 عقوبات وأن تعاد الأوراق لمحكمة الموضوع لتوقيع الدية المغلظة بالإضافة إلي السجن تعزيراً نترك تقدير مدته لمحكمة الموضوع

القاضي أحمد جعفر حامد :

التاريخ: 5/12/1989م

أوافق

كما أوافق على تحديد الدية المغلظة لأن أولياء الدم يرفضون الدية أو العفو وبالتالي فالمتوقع أن يرفضوا أي صلح بدية مخفضة كما أوافق على عقوبة التعزير التي فصل أسباب توقيعها الزميل العالم يوسف بإفاضة

القاضي عبد المنعم الزين النحاس :

التاريخ: 23/12/1989م

أوافق

نستكمل مع بعض ملخص القانون الجنائي (النظرية العامة) ونحن بصدد محل المسئولية وتقدم مسئولية الصغير وانتهينا الى أنه تمتنع مسئولية الغير بالغ الجنائية ويجوز اتخاذ التدابير اللازمة للإصلاح والتربية إن رأت المحكمة ذلك.

نشوف المانع الثاني وهو عدم الإدراك. يعنى شنو عدم الإدراك؟ يعنى ما واعى بنفسه ما عارف هو قعد يعمل شنو. يعنى عديم الإدراك. وعدم الإدراك أسبابه غير إرادية إنتبه – غير إرادية، يعنى سببها لا يرجع للمتهم نفسه. فإن كان عدم الإدراك سببه هو نفسه (الفاعل-محل المسئولية) يعامل بنقيض قصده يعنى شنو يعنى يعامل معاملة المدرك.

المادة 10 من القانون الجنائي 1991 (النافذ) نصت على أن( لا يعد مرتكبا جريمة الشخص الذي لا يكون وقت ارتكاب الفعل المكون للجريمة مدركا لماهية أفعاله أو نتائجها أو قادرا على السيطرة عليها بسبب:

-الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية أو النوم أو الإغماء أو تناوله مادة مسكرة أو مخدرة أو دون علمه، فإذا كان ذلك باختياره وعلمه وبغير ضرورة يعد مسئولا عن فعله كما لو صدر منه الفعل بغير إسكار أو تخدير.

لاحظت؟ الجنون دائم أو مؤقت لا يد للفاعل فيه، مافى زول بيجن باختياره إذا دائم وإلا متقطع، دا قدر الله عليه . وكذا العاهة العقلية. ولاحظت الكلام هنا عن غياب العقل كوسيلة إدراك، يعنى فاقد عقله مش أفقد نفسه بنفسه عقله. النوم أيضا غير إرادي  تذكر قوله تعالى (يغشيكم أمنة ونعاسا) وانت بتسمع يقول ليك غلبني أنوم ما قدرت أنوم يعنى ما بإرادته ينوم أو لا . طيب نام واتحرك وهو نائم ( عارف حمار النوم)؟ هو دا بيتحرك ويتكلم ويمشى بدون وعى وإدراك، عشان كدا لو هبشته بينط ويقول ليك مالك في شنو؟ لحظتها بس أدرك. وممكن يغالطك لا مشيت و لا هرجت و لا ، بتسمع النائم بيهضرب لما تقول ليه يغالطك. ليه لأنه ما كان في وعيه. كذلك الإغماء . حماكم الله الناس العندهم صرع بيصرخ أو يرفس او يزبد ويغيب عن الوعى يعنى يفقد إدراكه، في الحالة دى لو وقع في طفل أو رفسه أو كدا تمتنع مسئوليته لأنه لم يكن في وعيه. فاقد الإدراك ما عارف وقتها عمل شنو. واضحة الصورة دي؟؟ أما المادة المسكرة أو المخدرة إذا حدثت بغير إرادة منه، يعنى لو غراه زول غر مخدر أو مسكر يعنى غصبا عنه أو تحت إكراه ملجئ ما حيكون مدرك لسبب خارج إرادته لذلك تمتنع مسئوليته، أما إذا أسكر نفسه بنفسه أو تناول المخدر بنفسه عالما بطبيعة المادة المتناولة، وبغير ضرورة يعامل كما قلنا بخلاف قصده يعنى يعتبر مسئول جنائيا لأن شرط المانع ألا يكون إراديا فإن إراديا لا يمنع المسئولية.

المادة تقيله شوية، مش؟ دايرة روقة كدا تتهضم كويس. مهمة جدا المادة 10 كمانع للمسئولية. أديك فرصة تستوعب الفكرة ونلتقى بإذن الله تعالى ونكمل.

سلام الله عليكم نواصل موانع المسئولية ونحن في إطار الإدراك ، ونستعين بما كان عليه العمل أولا لتكوين فكرة ثم نتابع. ومن المهم هنا عبء إثبات الجنون، منو يثبت مجنون وإلا لأ ومجنون متين؟ وقت الواقعة وإلا قبلها وإلا بعدها؟ نشوف التطبيق دا: ولازم تلاحظ أنه في إطار القانون الأسبق، واستصحب النص الحالي للمقارنة

حكومة السودان ضــد أحمد بابكـر كــرار

محكمــة الاســتئناف

القضــاة:

سيادة السيد أحمد عبد الرحمن       قاضي محكمة الاستئناف        رئيساً

سيادة السيد بهيــج سـوريال        قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

سيادة السيد محمد الأمين حسن الشافعي قاضي محكمة الاستئناف        عضواً

حكومة السودان         ضــد         أحمد بابكـر كــرار

م أ/م ك/228/1980م

المبادئ: –       إثبات – عبء إثبات الجنون أو العاهة أو المرض العقلي على عاتق المتهم – المنشور الجنائي رقم 10

–       إثبات – حالة المتهم العقلية – يعتد بحالته العقلية عند ارتكاب الجريمة

1-     لإثبات حالة المتهم العقلية عند ارتكاب الجريمة فإن الحالة التي يعتد بها هي حالة المتهم العقلية عند ارتكاب الجريمة وعلى هذا يكون الشخص مسئولا وإن كان مجنوناً أو ذو عاهة عقلية إذا كان ساعة ارتكاب الحادث يعني ماهية أفعاله ويستطيع السيطرة عليها وبمعنى آخر فإن هنالك اختلافا بين الجنون في الطب والجنون القانوني ويمكن الاستدلال على حالة المتهم العقلية من تصرفاته قبل وأثناء الحادث وبعد الحادث

2-     على المتهم عبء إثبات الجنون أو العاهة العقلية وصفاً بالمنشور رقم 210 – فإن مستوى الإثبات المطلوب يفوق مرحلة الشك المعقول ولكن بعض السوابق القضائية خففت على المتهم هذا العبء

الحكـــم

22/1/1981 :

القاضي محمد الأمين حسن الشافعي:

هذا الطعن بطريق الاستئناف تقدم به المواطن حسن الطيب عطية شقيق المرحومة علوية الطيب ضد القرار الذي أصدرته المحكمة الكبرى التي عقدت بمروي لمحاكمة المتهم أحمد بابكر كرار والذي كان يواجه اتهاما تحت المادة 251 من قانون العقوبات لقتله زوجته المرحومة علوية الطيب وقد كان قرار المحكمة الكبرى أنه غير مذنب تحت المادة 251 عقوبات أو أي مادة أخرى

مقدم الاستئناف لم يذكر في استئنافه أسباب قانونية تجدر مناقشتها ولكن يظهر من استئنافه أنه كان يطعن في القرار الذي توصلت إليه محكمة الموضوع

وقائع هذه القضية واضحة وبسيطة وحسب ما أثبتتها المحكمة الكبرى في ملخص بيناتها فإن المتهم يسكن منطقة السجال قرية القبولاب ضاحية من ضواحي الدبة – ويبلغ من العمر 45عاماً ومتزوج من المرحومة علوية الطيب ولديه منها عشرة أطفال وفي صبيحة يوم الحادث 5/4/1979 طلبت المرحومة من زوجها السماح لها بالخروج لزيارة جيرانها في أحد المناسبات (سماية) إلا أن المتهم رفض أن يسمح لها ولما أصرت على الخروج دار بينهما نقاش سدد المتهم على أثره سبعة طعنات بسكينه (المعروضات) للمرحومة زوجته فأرداها أرضا وقد أسعفت بالمستشفى وتوفيت بتاريخ 7/4/1979 متأثرة بجراحها

عناصر جريمة القتل متوفرة فقد ثبت أن المتهم قد قام بطعن المرحومة وقد توفيت متأثرة بجراحها وقصد المتهم الجنائي يمكن استخلاصه من الأداة التي استعملت في الحادث وموضع الضربة من الجسم

بعد توافر هذه العناصر وجدت المحكمة الكبرى أن المتهم غير مذنب وذلك لأن المتهم كان في حالة جنون عندما سدد الطعنات للمرحومة

ونبدأ أولا بمناقشة الدفع الذي تعرضت إليه المحكمة الكبرى فنقرر ابتداء إن المادة 50 من قانون العقوبات قد نصت على الآتي:-

“لا جريمة في فعل يقع من شخص تعوزه وقت ارتكابه ذلك الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية طبقا لنص هذه المادة فإن المحك لإعفاء المتهم من المسئولية الجنائية هما:-

1- أن تعوزه القدرة على إدراك كنه أفعاله والسيطرة عليها

2- أن يكون ذلك بسبب الجنون أيا كان نوعه أو أساسه أو عاهة في العقل

3- أن يكون ذلك عند ارتكاب الجريمة ولتطبيق هذه المادة فإن المحاكم تتبع ما جاء في المنشور القضائي رقم21 بتاريخ 1/1/1954 والذي نص في البند (9) أن المادة 50 عقوبات تختلف عن قانون الجنون بإنجلترا المبني على قاعدة ماكنتوتن وقد أشار إلى هذه القاعدة رئيس القضاء الأسبق محمد أحمد أبو رنات في السابقة القضائية

حكومة السودان ضد موسى آدم اسحق المجلة القضائية 1958 ص 2 حيث ذكر الآتي:-

“I think it is pitting to mention here that our law is different from India and England in detail although the result may be the same For example we do not recognize the English and India test of lack of knowledge that the act he does  worng or contrary to law section 50 lays down tests either of who conclusive

وطبقا للمنشور رقم (21) 1/1/1954 فإن عبء إثبات الجنون أو العاهة أو المرض العقلي على عاتق المتهم فعليه أن يثبت ما يدعي به وراء أي شك معقول ولكن بعض السوابق القضائية خففت على المتهم هذا العبء فقد جاء في قضية:-

حكومة السودان ضد خضر عبد الله الحسن المجلة القضائية سنة 1966 صفحة 128

“It seems that the rigour of the keaver burden of proof was meant, at a time when medical science was not far advanced To set barriers and barricades in the path of feigned such defences in order that a miniaum of such feigning defendants could skip punishment, but now with the big strides in that direction the chance of their being detected is increased: but in spite of development in medical science and due to inherent human short comings and frailties, the worlds of mind and self from being fathomable, and their secrets still remained buried in the deep depth of being and it is therefore better that ten such feigning accused persons should flout the law than one single person who is in need of care and cure be punished, for he is innocent in the eye of reason Se only problem that remains is that firm and correct steps are to be taken to ensure that such persons are allowed to be a menace to others, but this is another matter”

أما عن كيفية حالة المتهم العقلية عند ارتكاب الجريمة فإن الحالة التي يعتد بها هي حالة المتهم العقلية عند ارتكاب الجريمة وعلى هذا فإن الشخص يكون مسئولا جنائيا وإن كان مجنوناً أو ذو عاهة إذا كان ساعة ارتكاب الجريمة يعي ماهية أفعاله ويستطيع السيطرة عليها وبمعنى آخر فإن هنالك اختلافا بين الجنون في الطب والجنون القانوني Legal Insanity ويمكن الاستدلال على حالة المتهم الفعلية من تصرفاته قبل وبعد وأثناء الحادث أنظر السابقة القضائية:-

حكومة السودان ضد خضر عبد الله الحسين المجلة القضائية سنة 1966 ص 127 و 128

“according, therefore, it is the duty of the accused to put forward all the facts upon which he relies and endeavour to satisfy the court of the genuiness and truth of his defence In order to arrive a vivid picture as far as human capacity can do

the court should ift all facts and circumstances available, commencing from accused’s past history, his disposition at the time he committed the act and his demeanour shortly after, and thereafter including his demeanour at trial, and the court has is call to its said expert evidence whenever it can do so and should give it due weight and not dismiss it with ease, having in mind that the utterance whether the accused was sane or not lies at the end with the court, the expert’s duty is merely to assist the court and give his considered opinion whether a certain set of facts is indicative of insanity

In all cases legal insanity is set up, it is most material to consider the circum stanCes, which have preceded, attended and followed the crime; whether there was deliberation and preparation for the act; wether it was done in a manner which showed a desire for concealment whether after the crime, the offender showed consciousness of guilt, and made efforts to avoid detection whether after his arrest, he of fered false excuses and made false statements The behaviour of the accused a after the act would be very relevant

See I Gour Penal Law of India (7th Ed 1962) p 367

It should be noted that the cricial time is the time when the act constituting to crime was committed The court may find this difficult especially of the accused person from appearances seems to be very sance or in fact lives a lucid interval at the time

But how is the state of mind at the time to be determined ? Direct evidence may be forthcoming as to his overt acts, but it cannot speak of the state of mind, it will therefore, have to judge not only by his contemparaneous act, words and conduct, but also his predisposition and his prior and subsequent acts and conduct As the fact to be inquired into is his mental power of congnition at the time, all facts finding to throw a light on it are relevant The usual method adopted in such inqu iry is

1 To place the accused under the medical observation

2 To let in evidence as to the prisonor’s antecedents

3 To observe and note his demeanour in court

4 To see if his crime was supported by a motive, or

5 circumstances which postulatecognition, such as

preparation, the choice of weapon, and the manner of using it

7 attempts of concealment, either before or at the time of the act, or afterwards

8 the circumstances attending the commission of the crime, such as the choice of time, place and opportunity

9 the assistance of an accomplice

10 the statements made immediately after the crime

Having all the necessary data before it, the Court now should not fix its mind on the defence of the accused concerning his menal capacity and satisy itself that is there is evidence to prove his insanity beyond andy reasonable doubt; but it should look into all the facts and circumstances and try to reach a satisfactory conclusion as to the sanity of the accused and if there is reasonable possibility that he was not same at the time he committed the act then the accused would be antitled to the protection of the relevan sections

وعلى ضوء هذه المبادئ القانونية الثابتة يثور السؤال هل المتهم مجنونا؟

لقد أجابت المحكمة الكبرى على هذا السؤال بالإيجاب وذلك بالرجوع إلى أقوال المجني عليها والتي أدلت بها قبل وفاتها ويجوز قبولها قانوناً على أساس أنها بينة محتضر فقد ذكرت المرحومة أنها تعرف أن زوجها المتهم غير صحيح العقل وكذلك القرار الطبي مستند اتهام (2) وأقوال الشهود

من هنا فإننا نوافق المحكمة أن المتهم يعاني من مرض عقلي ومن هنا يثور سؤال آخر هل كان المتهم يعي طبيعة أفعاله؟ هذا السؤال يقودنا لمناقشة المقصود بطبيعة الأفعال ولقد ورد في السابقة القضائية:

حكومة السودان ضد موسى آدم اسحق المجلة القضائية سنة 1958 ص 2

“The section speaks of the (nature) which includes (quality) A man is said to be ignorant of the nature of his act when he is ignorant of the operation of external agencies which he brings into play eg an idiot firing a gun looking upon it as a harmless toy He is ignorant of the quality of his act if he knows the result which will follow, but he is incapable of appreciating the elementary principles which made up the heirous and shocking character of that result eg and idiot unable to precieve the difference between shooting a man and a monkey”

لقد ثبت أمام المحكمة الكبرى أن المتهم قد قام بطعن زوجته بالسكين (المعروضات) أثر مناقشة نشبت بينهما بعد أن حاول منعها من الذهاب لعزومة وقد سدد لها المتهم سبعة طعنات وفي مثل هذه الظروف فإنه لا يمكننا القول بأن المتهم لم يكن يدري أفعاله – وبالتالي فإن الإجابة على السؤال الذي طرحناه تكون بالنفي

وإذا كانت الإجابة على السؤال السابق بالنفي فهل كان المتهم يملك القدرة في – السيطرة على أفعاله؟

جاء في السابقة القضائية: حكومة السودان ضد عبد الوهاب عبد السخي

“As to control of the act, this refers to cases of irresistible or unresisted mpluse It is known the most crimes are the result of temptation or impulse that

are not resisrted, and it is absured to expect any court to accept a medical opinion that an act was result of an irresistible impulse beyond the control of the patient without corroborative evidence

كما جاء في قضية حكومة السودان ضد عوض الكريم علي:

“The firs circumstances is that the act of the accused in killing a helpless baby without motive and in continuing to hisit with an iron stave whilst it lay on the grouind is one which the ordinary person qualigy as the act of a dangerouis lunatic

انظر مؤلف الأستاذ:         Krishna Vasdef

The Law of Homicide in the Sudan

لقد ثبت أمام المحكمة الكبرى أن المتهم قام بطعن زوجته المرحومة إثر مناقشة نشبت بينهما بعد أن رفض هو السماح لها بالذهاب للعزومة وقد سدد لها سبع طعنات وسلم السكين لوالده وبعدها حضر لقسم الشرطة بصحبة شقيقه وفي مثل هذه الظروف لا يمكننا القول بأن المتهم لم يستطع السيطرة على أفعاله حيث أفعاله حكمها قبل وبعد الحادث مباشرة كان إرادية وواضحة

ومن هنا فإننا لا نتفق مع المحكمة الكبرى فيما توصلت إليه بانطباق المادة 50 من قانون العقوبات والتي لم تناقشها المحكمة الكبرى نقاشا مستفيضا وقد تعجلت المحكمة في قرارها الأخير الذي خلصت إليه وخلطت بين حالة المتهم العقلية التي ثبتت لها من التقارير الطبية وأقوال المحتضرة والشهود وبين حالة المتهم عند ارتكاب الحادث وذكرت أن هنالك شكا يجب تفسيره لصالح المتهم وحاولت المحكمة الكبرى أيضا أن تفرق بين المادة 249(6) والمادة 50 من قانون العقوبات ولكنها لم تناقش ذلك بتوسع ايضا واكتفت بالقول بان  المادة المنطبقة 50عقوبات وليس المادة249(6) عقوبات وعليه وبما أن المحكمة الكبرى لم تناقش الاستثناءات الواردة في المادة 249 عقوبات فإننا وبعد أن قررنا عدم انطباق المادة 50 عقوبات أن تعاد الأوراق للمحكمة الكبرى لمناقشة الاستثناءات الواردة في المادة249 عقوبات

28/1/1981:                                                29/1/1981:

القاضي أحمد عبد الرحمــن:                            القاضي بهيــج سـوريال

أوافــق                                                 أوافــق

تطبيق ثانى للتمييز بين الحالة العقلية والحالة النفسية

محكمــة الاستئناف

القضــاة:

سيادة السيد بشير محمد صالح        قاضي محكمة الاستئناف          رئيساً

سيادة السيد عبيد قسم الله            قاضي محكمة الاستئناف           عضواً

سيادة السيد د بشارة إبراهيم بشارة   قاضي محكمة الاستئناف         عضواً

حكومة السودان        ضــد        حسن موسى دفع الله

م أ/م ك/2/1980م

المبادئ:

–      قانون جنائي- تطبيق المادة 50 عقوبات – المادة 249 (6) عقوبات – الفرق بينهما

هناك فرق بين تطبيق المادة 50 عقوبات والمادة 249(6) فلا يمكن تطبيق المادة50 لأن المتهم يعاني من اضطرابات نفسية فحسب بل يجب أن يعاني من مرض الجنون ولا يعي كنه أفعاله أو التحكم فيها وقت ارتكاب الجريمة ولكن يمكن تطبيق المادة 249 (6) المستحدثة في قانون العقوبات لسنة1974 إذا ثبت أن المتهم كان يعاني من أثر على حالته النفسية

رأي عابــر: الشهادة الخاصة عن حالة المتهم العقلية بتوجب قبولها تحت المادة 229 إجراءات وليس المادة 228 من قانون الإجراءات الجنائية

ملحوظــة المحــرر: انظر قضية حكومة السودان ضد بكاره جلده (م ع/م ك/22/1974) أنظر قضية حسن بلل قرني (م ع/م ك/61/1974)

المحامــون: محمد الوسيلة محمد

الحكــم

27/2/1980  القاضي عبيد قسم الله:

حوكم المتهم حسن موسى أمام محكمة كبرى عقدت بامدرمان برئاسة القاضي محمد أبوبكر محمد وأصدرت حكمها بتاريخ 29/12/1979 بإدانة المتهم تحت المادة 253 عقوبات وسجنته أربعة عشر سنة من تاريخ دخوله الحراسة

تتلخص وقائع هذه القضية في أنه بتاريخ 4/4/1978 حوالي الساعة 3 صباحاً كان المتهم المرحوم وشاهدي الاتهام إبراهيم موسى – شقيق المتهم – والناجي مصطفى –شقيق المرحوم- كانوا جميعاً يشاهدون حفل مقام بمنطقتهم بالحارة السادسة أمد رمان الجديدة عاد الجميع إلى منزلهم ما عدا المتهم الذي تأخر في الحفل بعد حين لحق بهم وقام المرحوم بفتح الباب له عند وصوله المنزل اتجه المرحوم إلى سريره ونام عليه قام المتهم إلى الغرفة وصلى ركعتين ثم أخذ سكين كانت في ذراعه وطعن بها المرحوم ووقف بعيدا قام المرحوم متحاملاً على نفسه وأيقظ شاهد الاتهام الثاني إبراهيم موسى وأخبره بما حدث  أسرع هذا الشاهد وقام بإمساك المتهم وانتزع السكين ورأى (زبد) على فم المتهم ثم قام بإدخاله الغرفة وأغلقها عليه وتم إسعاف المرحوم الذي توفى بالمستشفى متأثراً بجراحه حوالي الساعة 730 صباحا

أدلى المتهم باعتراف قضائي كامل عن الحادث مفاده أنه طلب من المرحوم  إرجاع مائة وخمسين جنيها استلفها الأخير منه ولكن المرحوم أنكر ذلك وأنه كان يتردد قبل الحادث على المشايخ والفقراء للعلاج من اضطراب في عقله

انحصر خط الدفاع منذ الوهلة الأولى في أن المتهم مريض عقلياً وأنه يعاني من الجنون ساعة وقوع الحادث وبالتالي طالب بتطبيق المادة 50 عقوبات واحتياطياً استرحام مقدم أسبابه أدانت المحكمة الكبرى المتهم تحت المادة 249(6) عقوبات وأصدرت حكمها تحت المادة 253 عقوبات

تقدم الأستاذ محمد الوسيلة محمد بهذا الطلب مستأنفاً قرار الإدانة ومطالباً بتطبيق المادة 50 عقوبات ويتلخص استئنافه في التالي:-

1-     حدد المنشور الجنائي رقم (21) السوابق القضائية المتعاقبة المعايير ودرجة الإثبات للاستفادة من تطبيق المادة 50 عقوبات وفي حالة الجنون حكومة السودان ضد خضر عبد الله المجلة القانونية 1966 ص 110

وللوصول إلى استفادة المتهم تحت المادة 50عقوبات يجب حسب ما جاء في السابقة أعلاه الأخذ في الاعتبار:

( أ ) شهادة الأقرباء أو غيرهم عن حالة المتهم قبل وأثناء وقوع الحادث

(ب) الشهادة الطبية

( ج) إثبات ترجيح حالة الجنون لا إثباتها فوق مرحلة الشك المعقول

هذا في شأن ما أرسته السابقة أعلاه

2-     هنالك شهادة شاهد الدفاع دفع الله موسى والشيخ الصديق وأقوال المجني

3-     شهادة الدفاع عن حالة المتهم بعد الحادث من قفله بالحجرة وتهييجه حتى خرج منه الزبد

4-     الشهادة الطبية بعد عرض المتهم على أخصائي الأمراض العصبية والنفسية

5-     لم تكن هنالك دوافع للجريمة حسب ما أثبت أمام المحكمة

6-     ما جاء بالمنشورات عن الإثبات يخالف السابقة المذكورة آنفاً وكذلك ما جاء في السابقة حكومة السودان ضد موسى أبو حماد المجلة 1961 ص 232

ففي المنشور فإن إثبات الجنون يجب أن يكون فوق مرحلة الشك المعقول أما حسب السوابق فإن الترجيح يكفي

7-     أهملت المحكمة الكبرى ما أدلى به المرحوم كشهادة محتضر في أن المتهم مريض عقليا وركزت في مديونية المرحوم للمتهم رغم أن الاعتراف الذي أدلى به كان بغير وعي كما أشار بعض الشهود إلى انهم لم يعرفوا شيئا عن هذه المديونية

هذه هي أهم النقاط التي أثارها الأستاذ محامي المتهم طالباً استفادة الأخير من تطبيق المادة 50 واحتياطياً تقدم باسترحام لأسباب عددها في ذيل المذكرة

وفي نفس القضية تقدم الأستاذ حسن موسى الصافي بمذكرة وصفها باستئناف الحكم الصادر في هذه القضية نيابة عن أولياء الدم وقبل الخوض في قانونية هذا  الطلب تجدر الإشارة إلى أن المادة 252 من قانون الإجراءات الجنائية قد حددت الجهة أو الشخص الذي يحق له تقديم الاستئناف إلى هذه المحكمة ألا وهو الشخص المدان إذاً فهذا الطلب يستوجب رفضه قانوناً كاستئناف مقدم من أولياء الدم لعدم أحقيتهم في تقديمه رغم ذلك فلقد جاءت سوابق المحكمة العليا معتبرة هذا النوع من الطلب بمثابة طلب فحص يجوز قبوله تحت المادة 257 من قانون الإجراءات انظر محاكمة قاسم محمد أحمد الشايب (م ع/ط ج/73/1979)

يتلخص هذا الطلب بعد عرض من الوقائع في أن ما ثبت أمام  المحكمة الكبرى يشير إلى أن المتهم كان واعياً ولم يصب بأية أمراض عقلية وبالتالي لا ينطبق الاستثناء الوارد في المدة 249 عقوبات لذا يرى أن العقوبة الواجبة التطبيق إذا افترض صحة الإدانة تحت الاستثناء السادس هي السجن المؤبد وهو يرى أن الشهادة الطبية مبهمة مما يستوجب إبعادها كما أن وعي المتهم لا يتخلله شك

لذا يرى ويطالب بعقوبة الإعدام تنحت المادة 251 عقوبات

هنالك عدة نقاط تستحق طرقها خاصة كيفية الإثبات الذي يمكن المتهم من الاستفادة بالمادة 50 عقوبات ثم يأتي عرضيا التقرير الطبي وهل يتم قبوله تحت المادة 228(3) إجراءات أم 229 إجراءات ثم المنشور ثم المنشور الجنائي رقم 21

وقبل الخوض في النقاط الواردة أعلاه نرى أن هنالك إثبات أكيد لاشك فيه من أن المتهم قد أتى بالفعل الإجرامي الذي ارتكبه فلقد اعترف بذلك المتهم وشهد عليه كل شهود الاتهام والدفاع وليس هناك من شك في أن موت المرحوم كان نتيجة الفعل العدواني كما ورد في التقرير الطبي الخاص بأسباب الوفاة نتيجة جرح كبير بالبطن نافذ للداخل نتيجة آلة حادة (سكين مثلاً) ووجود آثار تمزق متفرقة في الأمعاء الرفيعة والأوعية الدموية مما تسبب في نزيف داخلي من هذا يتضح أن الموت قد نتج بسبب الفعل الذي ارتكبه المتهم دون تداخل أي سبب أجنبي وبدلاً من إدانته تحت المادة 251 تمت الإدانة تحت المادة 253 عقوبات بعد أن أوضحت المحكمة أسباب استفادة المتهم من الاستثناء السادس الوارد في المادة 249 فلقد ثبت  لها أن المتهم كان يعاني من اضطراب عقلي قبل الحادث وأنه قد تردد على بعض (الفقرا) بقصد العلاج كما أنه عانى من عجز جنسي وبنفس القدر رفضت المحكمة تطبيق المادة 50 عقوبات بعد أن أوضحت أنه قد ثبت لديها أن المتهم كان يعي أعماله ساعة ارتكاب الجريمة وبالتالي أسقطت عناصر المادة 50 من حسابها

كنت أرى منذ الوهلة الأولى أن هذا النوع من القضايا وهذا الخط من الدفاع يتطلب من محكمة الموضوع أخذ التقرير الطبي عن الحالة العقلية للمتهم مأخذ الاهتمام والتركيز لأنه حتماً يحدد إلى درجة كبيرة مدى انطباق المادة 50 ونوعية المرض المدعاة في هذه القضية وبعد أن سجل أخصائي الأمراض العقلية شهادته ولم يتسنى العثور عليه لتوضيحها قررت المحكمة الكبرى قبولها تحت المادة 228 من قانون الإجراءات الجنائية وكرأي عابر أرى أن قبول هذه الشهادة الخاصة عن حالة المتهم العقلية يستوجب قبولها تحت المادة 229 إجراءات وليس 228(3)

هنالك سابقة محكمة الاستئناف سابقا حكومة السودان ضد عبد الله الحسن عمارة المجلة 1962 ص 98 التي أشارت إلى عدم قبول تقرير أخصائي الأمراض العقلية بموجب المادة 228(3) أو المادة 229 إجراءات لأن المادة الأولى تتحدث عن سبب الموت والمادة الأخيرة عن التقارير التي يكتبها أخصائيون في العلوم مثل البكتريا أو وظائف الأعضاء أو علم الأمراض والكيمياء ورأت المحكمة أن الأمراض العقلية لا تدخل ضمن ما ذكر وأن التقرير المطلوب في فرع من فروع العلم يجب أن يكون في شأن مسألة أو شيء عرض على الخبير بطريقة رسمية وأن الإنسان ليس مسألة أو شئ

ومع احترامي أرى أن هذا الرأي لا يسنده النص الوارد في المادة 229 إجراءات وأن كلمة (علم الأمراض) باللغة العربية وترجمتها باللغة الإنجليزية (Pathology) تعني علم تشخيص علم الأمراض وبالتالي تشمل الأمراض العقلية والنفسية

أنظر مذكرة المحكمة العليا حول القرار والحكم في قضية محاكمة المتهم بكاره جلده (م ع/محكمة كبرى/42/1974 بالإضافة إلى ذلك فإن ما جاء في كتاب

(The Law of Homicide in the Sudan by K V)

في صفحة 124 من تفسير للمادة 229 إجراءات كان سليما لأن

State of mind of “a person is a matter or a thing within the meaning of Sec 229”

إذن فإن السابقة أعلاه يجب ألا تحول دون قبول هذا النوع من التقارير تحت المادة 229 إجراءات بعد أن تطمئن له المحكمة بموجب سلطاتها الواردة في نفس المادة في حالة عدم العثور على طبيب أو استدعائه لأي سبب كان

نعود بعد ذلك إلى منطوق المادة 50 عقوبات وكيفية تطبيقها فلقد نصت المادة 50 على التالي: (لا جريمة في فعل يقع من شخص تعوزه وقت ارتكابه ذلك الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية)

أما الفقرة 249(6) من قانون العقوبات لسنة 1974 فهي (لا يعد القتل عمدا إذا كان الجاني وقت ارتكاب الفعل تحت تأثير اضطراب ناشئ عن تخلف أو إصابة أو مرض عقلي إلى درجة تؤثر تأثيرا حقيقياً على قدرته في التحكم في أفعاله أو السيطرة عليها)

اعتمدت المحكمة في قرارها بإدانة المتهم تحت المادة 253 عندما طبقت الاستثناء الوارد في المادة 249 عقوبات لسنة 1974 على تبيان حالة المتهم قبل الحادث وبعده بعد أن ثبت أن المتهم ظل يتردد على المشايخ والفقراء طلبا للعلاج بالإضافة إلى ذلك ما جاء في التقرير الطبي الخاص بالحالة النفسية وما يعانيه من اكتئاب نفسي واضطرابات في النوم وضعف جنسي وإرهاق عام وخلصت إلى أن المتهم كان مضطرباً عقليا مما أفقده القدرة على التحكم على أعصابه وأفعاله مما لا يقدم عليها عاقل أو مدرك قررت المحكمة الكبرى عدم استفادة المتهم لنص المادة 50 فلقد جاء في حيثياتها ص 6 أن المتهم كان لديه القدرة والمعرفة لإدراك تمييز كنه وماهية ما قام به وقت الحادث حسب ما جاء في اعترافه القضائي حيث أن ما ورد من تصرفه أشار بوضوح إلى وعيه ومناقشته للدين الذي كان بينه وبين المرحوم

ويثور هنا السؤال عن كنه الظروف التي تساعد المحكمة في تطبيق المادة 50 عقوبات ولا شك أن المنشور الجنائي رقم 21 قد ألقى على عاتق المتهم عبء إثبات الجنون فوق مرحلة الشك المعقول ولكن هناك من السوابق ما يشير إلى تخفيف هذا العبء أنظر قضية حكومة السودان ضد خضر عبد الله الحسين (المجلة القانونية 1966 ص 128)

وفي اعتقادي أن ما جاء من حيثيات لمولانا أبو رنات هو الأسلم تطبيقا عندما قال في قضية حكومة السودان ضد آدم موسى أبو حماد المجلة القانونية 1961 ص 232

“I think it is safer to find that the accused did not possess the power of appreciating the nature of his acts of controlling them by reason of mental infirmity”

ولا شك أن هناك فرق واضح بين تطبيق المادة 50 عقوبات والمادة 249 (6) فلا يمكن تطبيق المادة 50 لأن المتهم يعاني من اضطرابات نفسية فحسب بل يجب أن يعاني من مرض الجنون ولا يعي كنه أفعاله أو التحكم فيها وقت ارتكاب الجريمة أنظر حكومة السودان ضد نفيسة دفع الله المجلة القانونية 1961 ص 199

اتجهت المحاكم في تعريف عبارة (القدرة على إدراك ماهية أفعاله)(nature of his acts) الواردة في صلب المادة 50 عدة مسالك

ففي قضية حكومة السودان ضد موسى آدم اسحق المجلة القانونية 1958 ص 2 ورد المثال الذي يشير إلى عدم تمييز المتهم بين إصابته لشخص أم فرد لتطبيق المادة 50

ويثور سؤال هام عن كيفية الوصول إلى أن المتهم يعي كنه أفعاله وقت ارتكاب الجريمة وهنا أرى أن تقييم  الإثبات الوارد عن أفعال المتهم قبل الحادث مباشرة وبعده هو المؤشر لتوضيح حالة المتهم النفسية وقت ارتكاب الجريمة مضافاً إليها كل ما حدث

أنظر مذكرة المحكمة العليا حول الإدانة في قضية محاكمة المتهم حسن بلل قرني (م ع/ م ك/61/1974)

عند فحص الوقائع التي أمامنا في هذه القضية نجد أنه قد ثبت لمحكمة الموضوع الحادث نجد أن البلاغ فتح يوم 4/4/1978 حوالي الساعة 3 صباحاً – حوالي الساعة 415 صباحاً أدلى المرحوم بأقواله للبوليس كما أدلى المتهم بأقواله حوالي الساعة 530 صباحاً ولقد أشار في هذه الأقوال إلى مبلغ المائة وخمسين جنيها ثم ما قام به عند وصوله من الحفل أي قبل الحادث مباشرة وما أداه من صلاة وما قاله ليعقوب عن سفره هذه التفاصيل تشير إلى وعي وإدراك ساعة وقوع الحادث آخذين في الاعتبار تسلسل الأحداث والوقت الضيق بينها وبين وقت الحادث الجدير بالذكر أن المتهم قد ركز كثيراً وردد تباعا حالته النفسية ومعالجته عند المشايخ وعيادة الأمراض النفسية وكأنه يود أن يبرر عمله بسبب هذا المرض مما يوحي بإدراكه ووعيه في هذا الصدد

أما حالته بعد الحادث فإن ما ذكره للبوليس عن أسفه وتأثره بوقوع الحادث يشير بطريق غير مباشر إلى إدراك كنه فعله فليس من الطبيعي الرجوع إلى صحوته بهذه السرعة أما إجابته عندما تليت عليه أقواله التي أدلى بها بعد الحادث مباشرة بأنه (ما عارف) فأمر يدعو إلى أخذها ضده لأن التفاصيل التي أدلى بها قبل وقت قصير من الحادث لجديرة بإثبات الإدراك والوعي بما فعله كما أن ما جاء من أقوال المتحري من أن المتهم كان هادئا وأقواله مرتبة يجب أخذها في الاعتبار

وعليه أرى أن المادة 50 حسب الوقائع والظروف والتفاصيل التي أوضحها المتهم قبل وبعد الحادث لا تنطبق في هذه الحالة

أما عن الفقرة 249(6) المستحدثة في قانون العقوبات لسنة 1974 فإنني أؤيد ما جاء في الحكم فلقد ثبت تماماً أن المتهم كان يعاني من مرض أثر عليه وأن حالته النفسية قد تصدعت بسبب عدة وقائع أثبتها التقرير الطبي وشهادة بعض الشهود والعجز الجنسي هذا بالإضافة إلى أن شهود الاتهام والدفاع قد نفوا معرفتهم لأي مديونية بين المتهم والمرحوم كما وعضد هذا المرحوم نفسه عند الإدلاء بأقواله في فراش الموت مما يشير إلى عدم وجود الدافع للفعل لذا فلا تثريب على المحكمة في تطبيق الاستثناء السادس الوارد في المادة 249 عقوبات

أما عن العقوبة فلا أتفق مع الأستاذ محامي أولياء الدم في أن الإدانة تحت المادة 253 عقوبات تعني السجن المؤبد فالمادة قد نصت بوضوح إلى السجن المؤبد أو عقوبة أقل وهذا ما طبقته المحكمة الكبرى

جاء في مذكرة محامي المتهم أنه يطلب تخفيف العقوبة احتياطيا لأسباب عددها

في اعتقادي أن هنالك عناصر ووقائع وردت في هذه القضية يستوجب أخذها في الاعتبار فالمتهم والمرحوم أبناء عمومة وسن المتهم وعدم وجود سوابق له جديرة بالاعتبار كما أن ظروف المتهم النفسية ومرضه وعجزه يشفعان له هذا بالإضافة إلى ما سبق أن ذكره المرحوم ساعة احتضاره لتأكيد عدم وجود مشاكل بينه وبين المتهم وأن الأخير مريض وهذه شفاعة لهذا المتهم وتبريراً من المرحوم لما فعله ابن عمه

لهذه الأسباب مجتمعة أرى تخفيض العقوبة إلى سبع سنوات سجناً

21/2/1980: القاضي بشير محمد صالح:      أوفــق 23/2/1980

القاضي د بشارة إبراهيم بشارة:       أوافــق

حكومة السودان ضد عوض الكريم محمد علي بكار

حكومة السودان ضد عوض الكريم محمد علي بكار

نمرة القضية: (م ع/ م ك/ 70/1982م)

المحكمة: المحكمة العليا العدد: 1982

المبادئ:

•  إثبات – الجنون – إثبات للدفع المخفف للمسئولية – عبء الإثبات على المتهم

•  إثبات – البينة الظرفية يجوز الإدانة بها بناء عليها

•  إثبات – بينة المحتضر بينة مقبولة

•  إثبات – الإدانة بناء على أقوال شاهد واحد – جواز الإدانة

عبء إثبات الجنون مثل الدفع بالمسئولية المخففة يقع على المتهم ويكفي لإثباته أن يقوم على الترجيح لا اليقين

3-   جرى القضاء واستقر على جواز الإدانة بناء على البينات الظرفية يشترط أن تكون مبينة على وقائع ثابتة دون شك معقول وبشرط أن يكون الاستنتاج المستمد من تلك الوقائع متعارضاً مع براءة المتهم أو إدانة أي شخص آخر غيره

2-   أن بينة المحتضر لإثبات السبب الذي أدى إلى وفاته تعتبر بينة مقبولة قانوناً حتى لو لم تؤخذ بواسطة قاضي ولو لم تكن في حضور المتهم ولم تؤخذ على اليمين بل حتى لو لم يكن من أدلى بها متوقعاً الموت وهي تكفي لإدانة المتهم متى ما أطمأنت المحكمة إليها وإن كان القضاء يتطلب تعضيد مثل هذه البينة سواءاً كان ذلك ببينة أخرى مباشرة  أو بقرائن الأحوال نظراً لخطورة جريمة القتل

–   يجوز للمحكمة إدانة المتهم بناء على أقوال شاهد واحد متى ما أطمأنت المحكمة إلى صحتها وصدق ما أدلى به

الحكم:

المحكمة العليا

القضاة :

سعادة السيد/ مهدي الفحل                نائب رئيس القضاء      رئيساً

سعادة السيد/ الأمين محمد الأمين تاتاي   قاضي المحكمة العليا     عضواً

سعادة السيد/زكي عبد الرحمن            قاضي المحكمة العليا     عضواً

 

حكومة السودان ضد عوض الكريم محمد علي بكار (م ع/ م ك/ 70/1982م)

المحامون :

عبد المجيد الإمام

عبد الوهاب محمد عبد الوهاب

الحكم

9/11/1982

القاضي / زكي عبد الرحمن

وفاء بنص المادة 250 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م عرضت علينا إجراءات المحكمة الكبرى التي عقدت منذ التاسع عشر من إبريل 1980م لمحاكمة العميد طبيب عوض الكريم محمد علي بكار بموجب المادتين 251 و 375 من قانون العقوبات لسنة 1974م وفي 16/5/1982م أصدرت المحكمة الكبرى حكمها بإدانة المتهم بموجب المادتين وحكمت عليه بالإعدام شنقاً حتى الموت وفي يوم 19/5/1982م تقدم محامي المحكوم عليه بمذكرة يعلن بها نيته في تقديم الطعن في الحكم بعد استلام أسباب الإدانة وفي 5 يونيو تقدم بمذكرة بأسباب مقتضبة أشفعها بطلب لإمهاله لتقديم أسباب الطعن بحجة أنه لم يستلم أسباب الإدانة وأيضاً بحجة أن تلك الأسباب ستتعرض لمناقشة المادة 219 من قانون الإجراءات الجنائية ضمن مسائل أخرى ولما كانت المادة تستمد جذورها من قانون الإجراءات الهندي فإن الأمر يتطلب سفره للهند غير أن المحامي تقدم بطلب في  11/7/1982م يطلب مهله شهرين لأنه سيغادر البلاد في مهمة عاجلة خارج القطر وقد منح المهلة التي طلبها فتقدم بطعن في 13/9/1982م كما تقدم المحكوم عليه بشخصه بمذكرة بتاريخ 22/9/1982م وسنتعرض لما أثارته هذه المذكرات من نقاط عند مناقشة المسائل المتعلقة فيها ونتعرض لما هو منتج مما يتبقى منها في نهاية الحكم

تتحصل وقائع الحادث فيما يرد في موجز الوقائع كما توصلت إليه المحكمة الكبرى فيما يلي :-

في مساء يوم 25/12/1979م وفي حوالي الساعة التاسعة والنصف حضر المتهم بعربته المرسيدس ومعه أفراد أسرته أوقف عربته أمام الباب ووجد عربة تاكسي يقودها شاهد الاتهام الرابع يوسف اسحق بشر وطلب من الشاهد ثلاث مرات أن يبتعد له لينزل من العربة ابتعد الشاهد وادخل المتهم عربته لمنزله ثم عاد  دقائق للدكان الذي يملكه والملاصق لمنزله وكان يحمل بيده زجاجة بيبسي كولا فارغة ضرب بها على بنك الدكان وشتم المجني عليهم الأربعة الذين كانوا داخل الدكان ثم قال “دقيقة” ورجع لمنزله وعاد مرة أخرى وهو يحمل جردلاً عليه مادة ملتهبة قام بدلقه على بنك وسط الدكان ثم أشعل النار بعد ثقاب وقذف بالجردل جوار مكان الحادث ثم عاد لمنزله ودخل فيه

اشتعل الحريق بعنف في لحظة وأدى لوفاة المجني عليهم الأربعة الذين كانوا داخل الدكان كما أتلف الحريق كل البضاعة التي كانت بالدكان

أحد الجني عليهم لم يتوفى في الحال بل توفى بعد أربعة أيام وسجل أقوال محتضر في نفس ليلة الحادث – المجني عليهم الثلاث الآخرون توفوا في الحال ووجدت جثتهم متفحمة بعد إطفاء الحريق   المجني عليه الذي لم يتوف في الحال كان قد قفز خارج الدكان والحريق مشتعل في جسمه شاهد الاتهام الرابع شاهد كل الحادث وقدم بينة مباشرة كما كانت هناك عدة بينات ظرفية وأقوال فريق التحري وآخرين

استندت المحكمة الكبرى في إدانتها للمحكوم عليه على بينات مباشرة قوامها في المقام الأول رواية شاهد الاتهام الرابع يوسف اسحق بشير وهو شاهد العيان الوحيد للحادث وعلى أدلة ظرفية وأقوال المجني عليه الرابع المرحوم عبد الرافع أحمد عبد القادر والتي أدلى بها لقاضي وشهود آخرين كما استندت الإدانة على آراء خبراء في الحرائق والمعامل الجنائية وعلم النفس والتحليل النفسي وذلك بعد تحليل أدلة الدفاع والدفوع التي تقدم بها في مرافعته الختامية وقد كشفت المحكمة الكبرى في كل ذلك عن صبر ودقة تستحق عليهما الإشادة فقد استغرقت المحاكمة ما يزيد عن سنتين بسبب كثرة الشهود وطول استجوابهم بواسطة هيئة الدفاع وكثرة ما قدمه الدفاع من طعون في بعض قرارات المحكمة الكبرى وكانت تصل في كل مرة حتى المحكمة العليا ولعل هذه المحاكمة من أطول المحاكمات مادة إن لم تكن أطولها على الإطلاق

لم يلتزم الدفاع بخط واضح في البداية وإنما احتفظ بخط دفاعه وأعلنه فيما بعد حيث حشد له كل ما يخطر على البال من دفوع رغم ما يشوبها من تناقض إذ أن خط الدفاع جرى على النحو التالي :-

1-   المتهم غير مذنب تحت المادة 251 من قانون عقوبات السودان أو أي مادة أخرى أنه لم يسكب البنزين أو أي مادة ملتهبة أخرى في الدكان ولم يشعل فيه النار

2-   المتهم غير مذنب تحت المادة 375 من قانون عقوبات السودان أو أي مادة أخرى وذلك لأنه لم يسكب البنزين أو أي مادة ملتهبة أخرى في الدكان وأنه لم يشعل فيه النار

3-   على افتراض أن الفعل المشكو منه قد وقع من المتهم فإن هذا الفعل لم يكن سبباً في موت الأشخاص المذكورين

4-   على افتراض أن الفعل المشكو منه وقع من المتهم فإنه لم يكن قاصداً أو عالماً بأن الموت سيكون النتيجة النتيجة المرجحة لفعله

5-   على افتراض أن الفعل المشكو منه قد وقع من المتهم  فإنه لم يكن عالما بأن الموت سيكون النتيجة المحتملة لفعله

6-   على افتراض أن الفعل المشكو منه قد وقع من المتهم  فإن المتهم وقت ارتكابه الفعل كانت تعوزه القدرة  القدرة على ادراك ماهية افعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون المعروف بانفصام الشخصية شوزفرينا ( shozphrina ) وذلك تحت المادة 50 من قانون عقوبات السودان لسنة 1974م

7-   على افتراض أن الفعل المشكو منه قد وقع من المتهم  فان المتهم وقت ارتكابه الفعل كان واقع تحت تأثير اضطراب ناشئ من مرض عقلي إلى درجة تؤثر تأثيراً حقيقياً على قدرته في التحكم في أفعاله أو السيطرة عليها كما تنص المادة 249(6) من قانون عقوبات السودان لسنة 1974م

إن الدفوع المتناقضة مقبولة قانوناً متى ما قدمت في شكل بدائل وقد يكون مفهوماً أن يسعى الدفاع إلى الحصول على البراءة لموكله بأي وسيلة متاحة إلا أن مثل هذه الدفوع لا تستقيم عقلاً ولا منطقاً وتكشف عن اضطراب ينم عن عدم ثقة الدفاع في جدية أي من هذه الدفوع فالمتهم إما ألا يكون قد ارتكب الفعل كلية أو أنه ارتكبه دون أن يكون قد قصد أن يترتب عليه ما وقع من نتائج أو له فيما فعل ما يعفيه من المسئولية الجنائية أو ما يخففها عليه ولو أن الدفاع اتخذ خطاً واضحاً لدفع جدي لوفر لنفسه ولغيره كثيراً من الجهد ولموكله وضعاً أفضل مما هو فيه

أنه علينا أن نقرر أولاً في صحة إدانة المحكوم عليه بموجب المادتين 251 375 من قانون العقوبات لسنة 1974م وفي سبيل ذلك يجدر أن نشير إلى أن المادة الأولى تعاقب على جريمة القتل العمد وهي معرفة في المادة 248 من القانون نفسه على النحو التالي :” فيما عدا الأحوال المبينة في المادة 249 يعتبر القتل في الأحوال الآتية :-

(أ‌)         إذا كان الفعل الذي سبب الموت بقصد Yحداث الموت

(ب‌)     إذا كان مرتكب الفعل عالماً بأن الموت نتيجة راجحة لا مجرد نتيجة محتملة لفعله أو لأي ضرر جسماني كان مقصوداً إحداثه بذلك الفعل

أما المادة 375 فإنها تعاقب على جريمة الإتلاف كما هي معرفة في المادة 363 حينما تقع بوضع النار أو أي مادة أخرى ناسفة بقصد تسبيب التخريب أو مع العلم لأن ذلك سيسبب تخريباً لأي بناء يستعمل عادة كمكان للعيادة أو سكن الانسان أو مكان لحفظ المال

وفيما استقر عليه فقه القانون وقضاء المحاكم في السودان ودول العالم المتحضرة فإنه يتعين لإثبات جريمة القتل العمد إثبات الركن المادي وهو أن المتهم أتى بفعل أفضى إلى موت المجني عليه وكذا إثبات الركن المعنوي وهو أنه كان قاصداً تسبيب موت ذلك الشخص أو كان عالماً بأن الموت هو النتيجة الراجحة لا مجرد المحتملة لفعله

وقد انتهت عقيدة المحكمة الكبرى إلى أن هذه العناصر ثابتة في حالة المحكوم عليه واستندت المحكمة الكبرى في الوصول إلى هذا القرار وفيما أشرنا من قبل إلى أدلة متنوعة منها الدليل المباشر ومنها البينة الظرفية وأقوال المحتضر وآراء خبراء أما الدفاع فقد عول على عدم صحة قبول هذه الأدلة لأسباب مادية وأخرى قانونية كما قدم من جانبه بعض الشهود لدفع الجريمة عن المحكوم عليه واستند أيضاً على إفادة المحكوم عليه نفسه عن تحركاته ليلة الحادث والتي تنفي عنه واقعة ارتكاب الحادث

ولأن مدى صحة ثبوت أركان الجريمة يرتبط بمدى قوة الدفوع التي طرحها الدفاع فإنه يتعين تناول عناصر الجريمة واحداً تلو الآخر مع ما أثاره الدفاع بشأن كل واحد منها وسنتناول فيما بعد بعض النقاط مما أثارها الدفاع والمحكوم عليه في طعنيهما أمامنا

البينة المباشرة :

لقد ورد على لسان شاهد الاتهام يوسف اسحق بشير أقوال متسقة في كافة مراحل إجراءات هذا الحادث (مرحلة التحري والتحقيق القضائي ثم مرتين في مرحلة المحاكمة) وبأنه وفي أثناء وقوفه بعربته التاكسي بالقرب من الدكان الذي وقع فيه الحادث حضر المحكوم عليه بعربته ومعه أفراد أسرته وطلب منه أن يفسح له الطريق وكرر عليه ذلك ثلاث مرات وعندما أفسح له الطريق فتح المحكوم عليه باب منزله وهو مجاور للدكان وأدخل عربته ثم قفل راجعاً بعد بضعة دقائق وهو يحمل زجاجة بيبسي كولا فارغة وتوجه إلى الدكان حيث وجه في حده كلمات نابية لمن كانوا بداخله حيث قال “اطلع بالطيب ويطلع معاكم اللوطي ديه” وعاد إلى منزله وخرج مرة أخرى وفي يده جردل زنك به بنزين (ذكر الشاهد أنه كان بنزين سيوبر وذلك من رائحته ولونه) ودلق محتويات الجردل في الدكان وتقهقر للخلف قليلاً وأشعل عوداً من الكبريت في الدكان ورمى الجردل بالقرب من مكان الحادث ودخل منزله تاركاً الباب الخارجي مفتوحاً

وقد عقد في اليوم الثاني طابور شخصية تعرف فيه الشاهد على المحكوم عليه مرتين وأكد في المرة الثالثة أن المحكوم لم يكن من المشتركين في الطابور وكان المحكوم عليه قد استبعد فعلاً من الطابور

هذه الشهادة تشكل بينة مباشرة وهي كافية وحدها لإثبات الركن المادي فليس من قانون يمنع قبول مثل هذا الدليل حتى وإن وقف دليلاً يتيماً متى ما اطمأنت المحكمة إلى صحته وصدق من أدلى به وقد أطمأنت المحكمة الكبرى إلى صدق شاهد الاتهام الرابع لأنها وجدت في سياق الأدلة من البينات الظرفية ما يؤكد ذلك فسرعة التهاب المكان وانتشار النار والعثور على جردل بالقرب من الدكان ثبت أنه من زنك ووجود تنك البنزين في عربة المحكوم عليه مفتوحاً مع وجود وصلة خرطوش من ذلك النوع الذي يستعمل لسحب البنزين من تنك العربة وصحة واقعة وجود منزل المحكوم عليه لصق الدكان وإقرار المحكوم عليه نفسه بواقعة حضوره في تلك الليلة وطلبه من الشاهد افساح المكان له وتعرف الشاهد عليه دون غيره ومن أول وهلة كلها قرائن تؤكد صحة رواية الشاهد وأهليته للتصديق

إن الدفاع يعول على بعض النقاط في طلبه لاستبعاده هذا القليل المباشر وممن ذلك أن الشاهد كذب عندما ذكر للشرطة عند التحري معه بأنه سائق تاكسي في وقت ثبت فيه أنه جندي في القوات المسلحة ويقيننا أنه ليس فيما ذكره الشاهد ما يقوم دليلاً على الكذب بقدر قليل من أهليته التصديق فقد كان وقت الحادث يعمل في عربة تاكسي وسواء كان يعمل ذلك بنية الهروب من القوات المسلحة أو كان يعمل على زيادة دخله في وقت فراغه فإن صفة سائق تاكسي تنطبق عليه بنفس القدر الذي تنطبق عليه صفة الجندي

ويعول الدفاع أيضاً على أن الشاهد ذكر أن البنزين الذي كان يحمله المحكوم عليه “سيوبر” في وقت ثبت فيه أن العربة كان بها بنزين (عادي) ولعل هذه الحجة نشأت من النظرية التي أثارها الاتهام من أن البنزين الذي دلقه المحكوم عليه في الدكان قد أخذ من تنك عربة المحكوم عليه غير أنه لا يغير من الأمر شيئاً ما إذا كان البنزين الذي أشعلت به النار في الدكان بنزيناً سيوبر أو بنزين عادي تماماً كما لا يغير من الأمر شيئاً أن ذلك البنزين سحب من العربة أو كان معداً ومحفوظاً في مكان ما آخر في منزل المحكوم عليه خاصة وقد أقر المحكوم عليه نفسه أنه اعتاد آنذاك على الاحتفاظ ببعض البنزين للطوارئ نسبة للشح فيه

ثم إن الشاهد كشخص يعمل في عربة وإن أمكن أن يخطئ في تمييز البنزين العادي من السيوبر بمجرد النظر لا يمكنه أن يخطئ في كون المادة التي اشتم رائحتها ورآها بنزيناً أو خلاف ذلك ويكفي أن يلتهب الدكان كله في لحظة كما حدث في هذا الحادث بمجرد إشعال عود الثقاب ليكون من المؤكد أن المادة التي دلقها المحكوم عليه من المواد شديدة الالتهاب التي لا تخرج عن البنزين (كان سيوبر أو عادي) أو ما شابهه من المواد البترولية

ويرى الدفاع أن شاهد  الاتهام الرابع قد ذكر أن اللهب كان أحمر اللون (نار حمراء) ووجد فيما ورد على لسان بعض الشهود أن السنة النار كانت بألوان مختلفة ما يقوم دليلاً على عدم صدق الشاهد وهذه الحجة مردود عليها بأن من يرى النار تشب أمامه فجأة لا يمكن أن يكون من برود الأعصاب وصفاء الذهن  ما يجعله ينتبه إلى تميز ألوان اللهب وأنه يتفرج على فلم سينمائي  بالألوان أن ما يشد انتباه الرائي في مثل هذه الحالات هو منظر النار كشئ مطبوع في ذهنه  ودون تفاصيل وهو لا يتعدى النار الحمراء ويطعن الدفاع في طابور الشخصية بأن القرائن تشير إلى أن الشاهد قد رأى المحكوم عليه قبل أن يجري طابور الشخصية ما يبطل في نظره نظرة الطابور كله بيد أن مجرد  الاحتمال لا يكفي لإبطال الطابور إذ أن هذا ادعاء وبهذه الصفة ينبغي إثبات على وجه اليقين أو على الأقل على وجه لا يثير شكاً معقولاً أو حتى بالترجيح وخلافاً لذلك فإن هذه الحجة لا تتعدى مجرد الادعاء بل وأن بعضاً مما ذكره المحكوم عيه يتنافى واحتمال هذه النظرية فقد أكد المحكوم عليه أنه لم يرى الشاهد إلا أمام منزله ليلة الحادث وبعد ذلك في طابور الشخصية فإذا كان هناك احتمال لمشاهدة الشاهد للمحكوم عليه عندما كانا في مكانين منفصلين من نفس المبنى الذي اقتيد إليه لإجراء التحري فإنه كان من المحتمل أن يكون المحكوم عليه قد شاهد الشاهد هناك أيضاً وهو ما لا يدعيه المحكوم عليه نفسه

أما إذا كان الدفاع يرمي إلى القول بأن الشاهد قد وضع عمداً في مكان يرى فيه المتهم دون أن يراه المتهم فتلك نظرية لم يفصح عنها الدفاع وحسناً فعل لأنها نظرية تنطوي على اتهام خطير لسلطات التحري ليس من سند له في المحضر على أن حقيقة الأمر لا تتعدى أن الشاهد قد تعرف على المحكوم عليه نظراً للثابت من أنه كان قد تمعن فيه عندما كان يقف أمام منزل المحكوم له وطلب منه الأخير عدة مرات أن يفسح له المجال

وفي مقابل هذه البينة المباشرة وفي محاولة للنيل منها يفسر لنا الدفاع لماذا أوقع شاهد الاتهام الرابع بالمحكوم عليه وليست بينهما أية صلة أو عداوة وقد كان التفسير الوحيد ما قدمه المحكوم عليه بنفس في مذكرته المكتوبة للمحكمة الكبرى وهو إما أن الشاهد نفسه هو الذي تسبب في الحريق أو أن الحريق شب من مواد بترولية كان يقوم بتخزينها المجني عليهم وخشي الشاهد أن تتجه أصابع الاتهام إليه فاتهم بها المحكوم عليه

غير أن هذا التفسير غير مستساغ وربما كان مقبولاً لو أن البينة الوحيدة هي بينة شاهد الاتهام الرابع أما وأنه هناك بينة أخرى مقبولة تسند بينة هذا الشاهد (وهي أقوال المحتضر عبد الرافع فإن هذا التفسير لا يكون مقبولاً)

وبالإضافة لهذا التفسير وفي محاولة أخرى للنيل من البينة المباشرة قدم الدفاع شاهدة هي شهادة الدفاع الحادية عشر محاسن أحمد البشير التي ادعت أنها كانت في الدكان الذي وقع فيه الحادث قبل دقائق من نشوب الحريق وأنها شاهدت جمراً داخل الدكان كان لإعداد الطعام وأنه لم تكن هناك عربة تاكسي في ذلك الوقت أمام الدكان

غير أن المحكمة الكبرى لم تأخذ برواية هذه الشاهدة نسبة لما ثبت لدسها من تلفيق منها لها وذلك تبين من سجل المواليد في المستشفى أنه لا يحوي مولوداً للمرأة التي ادعت الشاهدة أنها كانت تمارضها ليلة الحادث وحيث أن القرار في صدق الشهود من إطلاقات محكمة الموضوع وحيث أن موازنة الأدلة والقرائن تسند صدق شاهد الاتهام الرابع وكذب شاهدة الدفاع الحادية عشر فإنه لا تثريب على المحكمة الكبرى في طرحها لشهادة شاهدة الدفاع الحادية عشرة والاستناد إلى شهادة شاهد الاتهام الرابع

مما سبق فإن إشعال المحكوم عليه للنار في الدكان واقعة ثابتة بالبينة المباشرة التي لا يتطرق إليها أي شك وذلك رغم الجهد المضني الذي بذله الدفاع في نفي ذلك

أما النتائج المادية التي ترتبت على ذلك فهي احتراق ثلاثة ممن كانوا في الدكان لدرجة التفحم الكامل وقد ثبت فيما بعد أنهم كانوا المجني عليهم الطيب بابكر مصطفى وأبو علامة خلف الله وعباس محمد أحمد وقد ثبت أيضاً بالبينة المباشرة وقرائن الأحوال أن المجني عليه الرابع عبد الرافع احمد عبد القادر تمكن والنار مشتعلة فيه من القفز خارج الدكان ولاذ بالمستشفى الذي يقع في الجانب الآخر من الشارع ولكنه رغم ما بذل من مجهود لانقاذ حياته  فارق الحياة في اليوم الرابع بعد يوم الحادث وقد ثبت بالدليل الطبي أن المجني عليهم الأربعة ماتوا بسبب الاحتراق بالنار

بينة المحتضر :

لقد كان من ترتيب الأقدار أن أحد المجني عليهم وهو المرحوم عبد الرافع احمد عبد القادر استطاع أن يقفز عبر النيران ليعيش حوالي أربعة أيام وفي نفس ليلة الحادث روى ما حدث لشاهدي الاتهام الثاني والتاسع وهما من ضباط الشرطة وللطبيب الذي كان يشرف عليه وقد دونت أقواله في الصباح الباكر من اليوم التالي بواسطة قاضي الجنايات وقد اتسقت أقوال المجني عليه الرابع في أن المحكوم عليه وقد سماه بالاسم ووصف منزله ومكان عمله – قد حضر إليهم في الدكان ودلق بنزيناً على الدكان وأشعل فيه النار

إن مثل هذه البينة مقبولة قانونيا كبينة مستقلة ولا حاجة لقبولها أن تكون قد أخذت بواسطة قاضي ولا أن تكون في حضور المتهم وبعد أن يؤدى المجني عليه القسم بل ولا حاجة لأن يكون المجني عليه في حالة احتضار أو متوقعاً الموت فرغم أن محاكمنا قد أصدرت أحكاماً متضاربة (انظر كريشنا ما سديق في كتابه باللغة الانجليزية عن قواعد الإثبات في السودان على الصفحات من 433 إلى 442 فإن ما استقر عليه قضاؤنا هو قبول هذه البينة (حكومة السودان ضد أحمد عباس أحمد وآخر مجلة الأحكام القضائية لسنة 1985م ص 553) ولو كانت هناك تحفظات في شأن تطبيق هذه القاعدة فإنها تتصرف لا إلى مبدأ قبول مثل هذه البينة وإنما إلى وزنها وما زال متاحاً للمحكمة  أن تحكم اعتماداً عليها متى ما أطمأنت إليها (انظر حكومة السودان ضد الطيب علي موسى – مجلة الأحكام القضائية لسنة 1975م ص 565) وحيث أن الجرائم الخطيرة تحتاج إلى نظرة أكثر دقة لخطورة ما تترتب على الإدانة فيها من نتائج فإنه يتعين الاطمئنان إلى وجود ما يعزز مثل هذه البينة (حكومة السودان ضد آدم عبد الكريم عبد الله  م  ع/ م ك/95/ 1978 المنشورة على صحيفة 111 من نشرة الأحكام الشهرية أكتوبر نوفمبر / ديسمبر 1978م

أما مقدار التعزيز أو التعضيد الذي يكفي لقبول مثل هذه البينة فلا يشترط فيه أن يكون بينة مباشرة وتسترشد محاكمنا في مثل هذا الشأن بما قاله لورد ديننج( ) في قضية :

RV Baskerville 1916 2k B 658

حيث قال :

The corroboration need not be direct evidence; that accused committed the crime; it is sufficient if it is merely circumstantial of his connection with the crime were the law otherwise many crimes which are usually committed between accomplices in secret could never be brought to justice

في وقت كان فيه المبدأ الساري في السودان هو أنه لا بد من تعزيز بينة المحتضر فإن أقوال المحتضر والتي تقدم من مصادر مختلفة اعتبرت كافية لتعزيز تلك الأقوال (انظر حكومة السودان ضد شارلس كيرمان مجلة الأحكام القضائية لسنة 1956م ص 35)

وعلى هذا فإن أقوال المرحوم عبد الرافع تجد تعزيزاً كافياً في الروايات المطابقة لما دونه القاضي في تلك الروايات التي قدمها ثلاثة شهود أدوا إفاداتهم أمام المحكمة الكبرى وهم علي اليمين

إن هذه البينة وحدها لا تكفي لإدانة المحكوم عليه خاصة وهذا المجني عليه كان يعمل في الدكان ويعرف المحكوم عليه معرفة تامة ومع ذلك فإن أقل ما في هذه البينة أن لها أثر مباشر آخر هو تعزيز ‘افادة شاهد الاتهام الرابع يوسف اسحاق بشير فهي متطابقة في جوهرها مع ما رواه هذا الشاهد ولكن الدفاع يرى في هذا التطابق رأى آخر إذ أنه يرى أن المرحوم عبد الرافع كان تحت تأثير المورفين وربما أيضاً تحت هيمنة الحريق وكان الدفاع بهذا يرى أن المرحوم كان يهذي على أنه لو كان للمورفين أو الحريق أن يقمص الشخص روحاً تقرأ ما يدور في خلد شخص آخر لا صلة له به ولم يقابله في أي وقت أثناء الحادث أو بعده فإن هذا يكون معجزة لا تدركها عقولنا كبشر

لقد قدم الدفاع في محاولة لنفي ارتكاب المحكوم عليه بالفعل المنسوب إليه شاهداً آخر هو شاهد الدفاع الأول ابراهيم حامد والذي فحص التوصيلات الكهربائية في الدكان وخرج بنظرية تقول أن النار قد شبت بسبب خلل بتلك التوصيلات

وقراءة أقوال الشاهد لا تنتهي بأي قدر من الجزم بأن الكهرباء كانت هي السبب في الحريق  فالأمر لا يتعدي الاحتمالات وهي من الأمور التي لا خلاف عليها هذا فضلاً عن وجود بينة مباشرة عن سبب الحريق وهي بينة أقوى وأفضل من كل رأي مهما علا شأن قائله ثم إن أقوال الشاهد لا تتفق مع العقل والمنطق فإذا كانت النار قد شبت من توصيلة كهربائية فإنه لا يعقل أن يلتهب الدكان كله في لحظة وحتى إذا أن هناك مواد قابلة للاشتعال فإنها ما كانت لتلتهب بهذه السرعة إلا إذا كانت تلك المواد بتروليا أي تتعدى المواد التي ثبت انها كانت بالدكان كالبف باف إما اذا كان من رأي الدفاع أن الدكان كانت به مواد بترولية وتلك نظرية ليس في الأدلة ما يسندها بل والبينة المباشرة تشير إلى أن الظروف التي شبت فيها النيران ابتداء ووجود مواد أخرى مساعدة داخل الدكان لا ينفي مسئولية إشعال الحريق

مما تقدم يتضح ان قرار المحكمة الكبرى بان المحكوم عليه هو الذي قام بإشعال النار في الدكان قرار يقوم على دعائم سليمة من الأدلة لا يتطرق إليها أي شك ومن الثابت بعد هذا أن هذا الفعل هو الذي أفضى إلى وفاة المجني  عليهم الأربعة فهذا ما لا يحتاج إلى اكثر من الواقع الذي رواه الشهود وأكدته التقارير الطبية المقدمة للمحكمة

البينة الظرفية

لقد استندت المحكمة الكبرى – دونما حاجة منها لذلك – على بينات ظرفية يتجه إلى إثبات ظروف اشتعال النار في الدكان وقد وجد الدفاع في هذا الشأن ما يجعله قاصراً من إثبات الحلقة التي يتطلبها القانون لقبول البينات الظرفية

ولو كانت البينات الظرفية هي وحدها أساس الإدانة لصح ما ادعاه الدفاع إذ أن المبدأ الذي استقر عليه قضاؤنا هو أنه ينبغي لقبول البينات الظرفية كدليل للإدانة أن تستوفي شرطين أساسين هما أولاً أن تكون مبينة على وقائع ثابتة دون شك معقول وثانياً أن يكون الاستنتاج المستقى من تلك الوقائع متعارضاً مع براءة المتهم أو إدانة أي شخص آخر غيره فهذا المبدأ هو ما أكدته هذه المحكمة في قضية محمد مرة بحر : م ع/م ك/ 172/1973م المنشورة على صحيفة 371 من مجلة الأحكام القضائية لسنة 1973م وذلك بعد استعراض أحكام سابقة في ضوء ما يسود في الهند كمصدر رئيسي لمحاكمنا لقواعد الإثبات المعمول بها في السودان

غير أن المحكمة الكبرى في هذه القضية لم تستند ولم تكن على أية حال في حاجة إلى أن تستند إلى البينات الظرفية في الوصول إلى قرار بشان نشوب الحريق و إنما كانت تسعى وهي محقة في ذلك إلى البحث عن أدلة تؤكد صحة ما رواه شاهد العيان (وهو شاهد الاتهام الرابع) ووجدت في بعض الأدلة الظرفية عن بعض التفاصيل ما يجعلها تطمئن إلى صدق ما قاله هذا الشاهد ولا يغير من الأمر شيئاً أن تكون بعض الأدلة التي أشارت إليها المحكمة الكبرى غير ثابتة على وجه اليقين كفصل المحكوم عليه التيار عن منزله أو خلو الشارع بسبب العطلة أو اضطراب المتهم عقب الحادث

ولو اقتصر أثر البينات الظرفية كلها والتي قدمت في القضية على هذا الاطمئنان من جانب المحكمة لكفاها ذلك وفيما ذكرنا من قبل فإن التعزيز لا يشترط أن يكون بينة مباشرة ويكفي لهذا الغرض أن تكون البينة ظرفية وقد وجدت هذه البينة لتعزيز التفاصيل التي تؤكد صحة رواية الشاهد وقد خدمت بينة الخبراء التي قبلتها المحكمة الكبرى غرضاً مماثلاً

القصد الجنائي :

يشترط في الجريمتين المنسوبتين للمحكوم عليه أن يكون قاصداً إحداث الأثر الذي ترتب عليه فعله والأثر المترتب على فعل المحكوم عليه في هذه القضية هو موت أربعة أشخاص واحتراق دكان كامل بما فيه من بضائع قيمتها بالآلاف

ولأن القصد اتجاه ذهني فإنه يستحيل إثباته بطرق الإثبات المعتادة فلا مجال لإثباته ببينة مباشرة إلا إذا أعلن المتهم نفسه عن قصده صراحة وهذا ما لا يحدث إلا نادراً حيث أن حب الحياة والحرية عادة يطغى على الشهامة والشجاعة والصدق وكل القيم الإنسانية التي من شأنها أن تدفع الجاني إلى الإقرار بجنايته

ولهذا فقد وضعت المحاكم بعض المعايير التي من شأنها أن تساعد على الوصول إلى قصد المتهم ولا ريب في أن ذلك يختلف مع اختلاف نوع الجريمة وما هو مطلوب لارتكابها والضرر المترتب على الفعل

وفيما يتعلق بجريمة القتل فان المعايير التي اختطتها المحاكم لاستنتاج القصد هو نوع الآلة المستعملة مواقع كيفية استعمالها (انظر مثلاً حكومة السودان ضد عيسى علي احمد م ع أ /م ك/ 74/71 المنشورة على صحيفة 230 من مجلة الأحكام القضائية لسنة 1972م

على أن قانون العقوبات قد وضع معياراًن آخر عاماً لتقصي الحالة الذهنية التي تجعل لمتهم مرتكباً لجريمة القتل العمد وهو أن يكون المتهم عالماً بأن الموت هو النتيجة الراجحة وليست مجرد المحتملة لفعله وقد جرى العمل على مساواة مثل هذا العلم بالقصد في إحداث الموت

والعلم هنا ليس العلم الذاتي للمتهم وحده بل يكفي أن يكون علماً حكيماً يفترض على المتهم باعتباره شخصاً عاقلاً يفترض عليه أن يكون عالماً بما يدركه كل شخص عاقل وعلى هذا فإن المعيار موضوعي ويتم التوصل إليه من ظروف الحادث وقد عرف القانون عبارة (احتمال) ولكنه لم يعرف عبارة (الراجحة) إلا أن هاتين العبارتين تقابلان عبارتي likely و probable على التوالي واللتين كانتا تردان في قانون عقوبات السودان لسنة 1925 وقد وجدت هاتان العبارتان تحت ظل ذلك القانون دراسة وافية من المحاكم (انظر) حكومة السودان ضد كيتي جيلو مجلة الأحكام القضائية لسنة 1960م ص 60 وحكومة السودان ضد كمال الجاك – مجلة الأحكام لسنة 1965 ص 65 وحكومة السودان ضد محمد آدم أونور مجلة الأحكام القضائية لسنة 1963 ص 157 وحكومة السودان ضد عمر ابراهيم ابكر مجلة 1968 ص 74 ) وخلصت كل هذه الأحكام بالنسبة لتعريف ما هو محتمل الى تفسير مطابق لما ورد لعبارة (احتمال) في قانون العقوبات لسنة 1974(المادة 20 أ) أما بالنسبة لعبارة probable المقابلة لعبارة راجحة فقد خلصت الأحكام الى انها تعني ان تكون في عدم حدوث الموت ما يثير دهشة الرجل العادي

وعلى هذا جرى قضاء المحكمة العليا في السابقة الحديثة حكومة السودان ضد محمد صديق السيد نمرة م ع / م ك/ 19/1975م وهي منشورة على صحيفة 408 من مجلة الأحكام القضائية لسنة 1975م حيث ورد فيها ما يلي على صحيفة 410

( أما بالنسبة للنتيجة المرجحة (هكذا) حسب معيار الذي توصلت إليه محاكمنا وكما استقر لدى قضائنا العالي فإنها تتوفر إذا كان عدم حدوث الموت يثير دهشة الرجل العادي أي أن الرجل العادي كان سيندهش إذ لم يمت المصاب نتيجة لما لحق به من أذى

وتطبيقاً لهذه القاعدة توصلت المحكمة الكبرى في القضية المطروحة أمامنا إلى أن استعمال البنزين وهو مادة شديدة الالتهاب وواسعة الانتشار في دكان ليس به غير منفذ واحد وحتى هذا المنفذ نفسه يعترضه بنك ارتفاعه اكثر من متر وفي وجود نزاع سابق مع المجني عليهم حول الدكان وما ثبت لديها من تدبير من جانب المحكوم عليه وطريقة دلق البنزين وجدت في كل هذه الظروف ما يثبت أن المحكوم عليه كان قاصداً إحداث الموت أو أنه كان يعلم على الأقل أن الموت هو النتيجة الراجحة لفعله

أما الدفاع فإنه يرى أنه لم يكن هناك ثمة تدبير للجريمة و انما كان الحادث بعد المشادة الكلامية وأن المتهم لو كان يقصد قتل المجني عليهم لما طلب منهم الخروج وأنه كان هناك متسع من الوقت بين وعيد المتهم عندما قال دقيقة وذهابه لإحضار البنزين وانه كان بإمكان المجني عليهم القفز طلباً للنجدة عندما بدأ المتهم في فعله وأن الثابت أن كمية البنزين التي يفترض ان المتهم قد سحبها من تلك العربة قليلة بحيث لا يمكن أن تشعل حريقا كالذي نشب وبالتالي لم تكن كافية لإحداث الموت

ونحن لا يسعنا إلا أن نتفق مع المحكمة الكبرى في قرارها بأن المحكوم عليه كان على الأقل عالماً بأن الموت هو النتيجة الراجحة لفعله فالبنزين مادة خطرة شديدة الالتهاب سريعة الانتشار وكميته لا تكون مسألة جوهرية اذا ما تعدت قدراً معيناً اذ يكفي القليل منه لإشعال نار يعتمد استمرارها على المقدار من جهة وعلى العوامل الأخرى المساعدة والتي تكون موجودة في المنطقة ورغم أن كمية البنزين التي دلقها المحكوم عليه غير مؤكدة المصدر والمقدار فان الثابت من إفادة شاهد الاتهام الرابع هو أن الكمية تقارب سعة الجردل الذي حمل فيه المحكوم عليه ذلك البنزين وكمية كافية لحرق المجني عليهم

ومن الثابت أن المحكوم عليه دلق البنزين في وسط الدكان (كشح) كما ورد في رواية شاهد الاتهام الرابع والمجني عليه عبد الرافع وهو المكان الذي كان فيه المجني عليهم وبذلك فإن الراجح هو أن البنزين قد اندلق فيهم أو حولهم ومما هو معروف أن البنزين إذا علق بشيء ثم اشتعلت فيه النار فانه يصعب إطفاء النار إما القول بأنه كان في إمكان المجني عليه مغادرة الدكان أما على اثر وعيد المحكوم عليه مباشرة أو أثناء إعداده لإشعال النار فهو رأي لا يمكن قبوله فمن الواضح أن المجني عليهم كانوا يتصورون أن وعيد المحكوم عليه كان يمكن ان ينتهي بهذه الطريقة الدرامية أما بعد أن صار الأمر واقعاً فانه من غير المتوقع ولا المطلوب من المجني عليهم أن يتملكوا زمام عقولهم أمام النيران التي كانت تحيط بهم ليفكروا في القفز طلباً للنجاة

ومن الواضح أن حدة النيران قد شلت أفكارهم وأجسادهم على حد سواء وذلك أمر مفهوم في ضوء واقع الدكان الذي كان يعلمه المحكوم عليه ورغم ان العبرة في الاحتمالات لا تكون إلا بالظروف وقت الحادث إلا أن ما حدث فعلاً يلقى ضوءا كافياً على الاحتمالات لحظة نشوب الحريق إذ أن الشخص الوحيد الذي ملك زمام أمره وقفز خارج الدكان (هو المجني عليه عبد الرافع) لم يسلم من الحريق هو الآخر وكانت نسبة الحريق فيه 95 % وقد قضى نحبه تماماً كرفقائه الذين بقوا داخل الدكان

أنه لما لا يقبل عقلاً ولا قانوناً أن يرتكب إنساناً فعلاً إجرامياً كالذي فعله المحكوم عليه ويحتج بأنه كان على فرائسهم  أن يتدبروا أمر نجاتهم فالمحكوم عليه طبيب يعلم أثر النيران على جسم الإنسان خاصة عندما تكون باشتعال مادة البنزين   ويؤكد علمه هذا وخلافاً لما يدعيه الدفاع أنه أي المحكوم عليه – أدرك خطورة الاشتعال عليه هو ذاته حتى وهو خارج الدكان ولهذا خطأ إلى الخلف قبل أن يشعل عود الثقاب

لقد اكتفى الدفاع في مرافعته الختامية أمام المحكمة الكبرى بإطلاق ادعاء مجرد بأن الموت لم يكن نتيجة راجحة لفعل موكله وكذلك أنه لم يكن نتيجة محتملة وذلك لأنه في تقديره أنه الرجل العادي يندهش إذا نتج الموت عن ذلك الحادث وأن ذلك الرجل العادي ما كان ليندهش إذا لم ترتب الموت عن الحادث (صحيفتي 262 و 263 من المرافعة الختامية المشار إليها) ولعل الدفاع يعلم بوجود رجل كهذا إلا أنه لا علم لنا بمثل هذا الرجل فإنه رجل لا يمكن وصفه بأنه عادي

وبهذا فإن أركان جريمة القتل العمد تكون قد ثبتت كلها وبذلك صحت الإدانة وفقاً لها ومن باب أولى أن تكون الإدانة بموجب المادة 375 من قانون العقوبات صحيحة هي الأخرى فالذي قصد تسبب الموت لأربعة من البشر لا يمكنه أن يكون قد أغفل من حسابات قصد إتلاف البضائع التي كانت بالدكان خاصة والدلائل كلها تشير إلى أن إخلاء الدكان هو الدافع الأساسي لهذه الجريمة

كل هذا مع العلم باحتمال حدوث التلف وحده كاف لإثبات هذه الجريمة لقد تعرضت المحكمة الكبرى إلى الإستثناءات الواردة في المادة 249 التي من شأنها أن تنزل بالجريمة من القتل العمد إلى القتل الجنائي فلم تتوقف إلا في الاستثناءات السادس وهو يقرأ كما يلي :-

(لا يكون القتل عمداً إذا كان الجاني وقت ارتكاب الفعل واقعاً تحت تأثير اضطراب ناشئ عن تخلف أو اصابة أو مرض عقلي إلى درجة تؤثر حقيقياً على قدرته في التحكم في أفعاله أو السيطرة عليها ولأن الدفاع قد اتخذ في خط دفاعه الاحتياطي دفعاً بموجب المادة 50 من قانون العقوبات فإن المحكمة الكبرى بحثت أولاً في مدى ثبوت هذا الدفع ولكنها قررت عدم ثبوته وبعدها قررت عدم ثبوت الاستثناء الوارد في المادة 249 (6)

إن المادة 50 من قانون العقوبات تقرأ كما يلي :

(لا جريمة في فعل يقع من شخص تعوزه وقت ارتكاب ذلك الفعل القدرة على إدراك ماهية أفعاله أو السيطرة عليها بسبب الجنون الدائم أو المؤقت أو العاهة العقلية)

والمستقر قضاء لإثبات هذا الدفع هو ما قرره القاضي أبو رنات رئيس القضاء في قضية حكومة السودان ضد عبد الوهاب عبد السخي المنشورة في مجلة الأحكام القضائية لسنة 1961م ص 110 حيث قال ص 111

To establish a defence on the ground of insanity ; it must clearly be proved that at the time of committing the act , the accused was labouring under such a defect of reason as not to know the nature and quality of the act he was doing ,or if he did know , he did not know he was doing what was wrong The mere fact that on former occasion the  accused had been occasionally subject to insane delusions , or had suffered from derangement of the mind , or that subsequently he had at time behaved like a mentally deficient person is per se insufficient to bring his case within this exception

وبموجب المنشور الجنائي رقم 21 وما استقر عليه القضاء في تطبيقه فإن واجب إثبات الجنون يقع على عاتق الدفاع خاصة في الحالات التي يكون فيها للمتهم ممثل دفاع

غير أن المستقر قضاء أيضاً هو أن عبء الإثبات ليس فوق الشك المعقول وإنما يكفي أن يكون بموازنة الأدلة أو الاحتمالات وأن مدى ثبوت الجنون قرار قضائي  وليس قرار طبياً

فكما قالت السلطة المؤيدة السابقة في قضية السودان ضد خضر عبد الله الحسين (مجلة الأحكام لسنة 1966 ص 110)

Accordingly , therefore , it is the duty of the accused to put forward all the facts upon which he relies and endevour to satisfy the court of the genuineness and … truth of his defence In order to arrive at a vivid picture  as far as human capacity can do , the court should  sift all facts and circumstances available , commencing from accused’s past  history , his disposition at the time he committed the act and his demeanour shortly … after , and there after including his demeanour at trail , and the court has to call to its aid expect evidence whenever it can do so and should give it due weight and not dismiss it with case , having in mind that the utterance whether the accused was sane or not lies at the  end with the court , that experts duty is merely to assist the court and give his considered opinion whether a certain set of facts is indicative of insanity

وقد وضعت هذه السابقة قائمة بما يجب عمله لمراقبة سلوك المتهم بغرض الوصول إلى حالته العقلية وهي :-

(أ‌)       وضع المتهم تحت المراقبة الطبية

(ب‌)   جلب أدلة عن أسلافه

(ج)  مراقبة سلوكه في المحكمة

(د)  مراجعة ما إذا كانت الجريمة مصحوبة بدافع

(هـ) دراسة ظروف الجريمة لمعرفة مدى ما تكشفه عن وعي وإدراك من حيث اختيار السلاح وطريقة استعماله

(و) النظر فيما إذا كانت هناك محاولات لإخفاء الجريمة سواء قبل ارتكابها أو أثناء أو بعد ذلك

(ز) دراسة ظروف ارتكاب الجريمة من حيث اختيار الوقت والمكان وتحين الفرص

(ص) ما إذا كان المتهم قد وجد مساعدة من شريك

(ط) دراسة الكلام الذي صدر من المتهم عقب الحادث

وقد جرى قضاء المحكمة العليا مؤخراً على هذا النهج (حكومة السودان ضد حسين عباس عبد القيوم م ع /م ك/ 146/79) المنشورة في نشرة الأحكام الشهرية لأكتوبر /نوفمبر / ديسمبر 1980 ص 15

وفي القضية المطروحة الآن اكتفي بشاهد واحد هو الدكتور عزيز حنا استاذ علم النفس بالجامعات المصرية اتجه إلى القول بأن المحكوم عليه يعاني من مرض يسمى  الشازويد يثيره السكر أو الإرهاق أو الغضب وأن تلك الحالة تؤدي إلى أن يأتي المحكوم عليه تصرفات لا يدركها ثم ينساها تماماً غير أن شاهدي المحكمة الدكتور يحي توفيق الرخاوي ودكتور يحي طاهر نفيا أن يكون المحكوم عليه مريضاً وقد قبلت المحكمة رأيهما وقررت وفقاً لذلك أن المحكوم عليه مسئول عن فعله مسئولية كاملة

ويطعن الدفاع في  طريقة استجلاب شاهدي المحكمة وفي الظروف التي صاحبت ذلك وكذلك في قبول رأيهما ووزنهما وفي ذات الوقت يطعن الدفاع في إجراءات المحكمة حول التحقيق في الدفع بالجنون المقدم نيابة عن المحكوم عليه وينص عليها عدم التزامها بالمنشور الجنائي رقم 21 كما يطعن بأن المحكمة الكبرى جلبت الشاهدين بعد قفل قضية الدفاع ولما كان الأمر كذلك فإنه كان عليها أن تعيد استجواب المتهم مرة أخرى وأن تسمح له بتقديم شهود جدد وفي هذا يستدل الدفاع بما جرى عليه العمل في الهند كما يرد في مؤلفات عن القانون الهندي في هذا الشأن

أنه لمن الثابت وخلافاً لما يدعيه محامي الدفاع – أن الدفاع لم يكشف عن خط دفاعه إلا عند بداية قضية الدفاع في 23/11/1980م فعند بداية قضية الاتهام أنكر الدفاع التهمة الموجهة للمحكوم عليه وأردف ذلك بإعلان عن احتفاظه بخط الدفاع

وفي هذا دلالة واضحة على أن خط الدفاع لم يكن معلناً من قبل وهذا يتوافق مع المعمول به في المحاكم إذ أن مرحلة التحقيق القضائي ليست المرحلة التي يكشف فيها عن خطوط الدفاع

وقد كان من نتائج ذلك أن هيئة الاتهام فوجئت بالدفع المتعلق بالجنون وبذلك فات عليها أن تقدم شيئاً في هذا الشأن قبل قفل قضيتها وبنفس القدر فإنه ما كان في مقدور المحكمة الكبرى أن تأمر بوضع المتهم في المراقبة الطبية ثم أنه لم يكن أمام المحكمة خاصة بعد ما قدمه شاهد الدفاع عزيز حنا إلا أن تعمل سلطاتها في طلب شهود للإدلاء بآرائهم فيما ذكره هذا الشاهد أما الطريقة التي جلبت بها المحكمة الشهود فإنها كانت محل طعن من محامي الدفاع فصلت فيه المحكمة العليا وكان قرارها في هذا الشأن هو أن المحكمة الكبرى كانت تعمل في حدود سلطاتها (انظر م ع/ط ج/م 61/1981م) ولا يغير من الأمر شيئاً إن المحكمة لم تصدر أوامر تكليف للأطباء السودانيين قبل أن تلجأ لمصر فهي لها أن تفعل ما فعلت حتى إذا لم تطلب السودانيين أولاً فليس في القانون ما يمنعها من ذلك

أما ما يثيره محامي المحكوم عليه من شكوك حول تصرفات رئيس المحكمة فإنها مسائل تتعلق بالوقائع لم يثرها الدفاع في حينه حتى يتم التحقيق فيها فقد كانت تصلح لأن تكون محل شكوى تقدم للجهة المختصة في ذلك

إن الدفع المتعلق بالجنون أثير في مرحلة متأخرة كأمر خالي للدفاع وبما أن عبء إثبات الدفع بالجنون يقع على عاتق الدفاع (المنشور الجنائي رقم 21 وسابقة حكومة السودان ضد خضر عبد الله الحسين التي سبقت الاشارة اليها) فإن المحكمة الكبرى لا تكون قد قصرت في أي من واجباتها بموجب المنشور رقم 21 فالمنشور لا يخرج عن وضع ارشادات لا ترقى الى الالزام إلا إذا كان المتهم دون ممثل للدفاع فقراءة حكم السلطة المؤيدة في سابقة حكومة السودان ضد خضر عبد الله الحسين توضح جلياً أن واجب المحكمة في هذا الشأن لا ينشأ إذا كان ممثل للدفاع وفي هذه القضية بالذات لم تجد المحكمة في هذا الشأن لا ينشأ إذا  كان هناك ممثل للدفاع وفي هذه القضية بالذات لم تجد المحكمة أدنى شك يجعلها تعتقد أن قوى المتهم العقلية غير سليمة حتى ولو لم يثر الدفاع هذا الدفع نيابة عن المتهم الذي مثل ودافع أمام المحكمة الكبرى بما يدل على عقل سليم وفيما أكدته السابقة المشار إليها فإن القرار في مسألة ثبوت أو عدم ثبوت حالة الجنون قرار قضائي وليس قرار طبياً ولهذا فإن الرأي الذي قدمه  شاهد الدفاع دكتور عزيز حنا من جهة ورأي الدكتورين بحي الطاهر ويحي الرخاوي من الجهة الأخرى كانت كافية لتمكين المحكمة الكبرى من الوصول إلى قرار بشأن الدفع المثار وحيث أن المحكمة لم تكن قد كونت رأيها حول ثبوت أو عدم ثبوت الدفع حين طلب إليها الدفاع السماح له بجلب مزيد من الرأي حول المسألة فإن قرار المحكمة الكبرى برفض طلب الدفاع لا يكون مشوباً بخطأ أو حيف وفي هذا الشأن فإن ما أشار إليه الدفاع من إجراءات تسود في الهند في حالة ورود أدلة جديدة بعد قفل قضية الدفاع إجراء غير معمول به في السودان ومع أننا لا نرفض مبدأ تطبيقه إلا أن ذلك لا ينبغي أن يكون إلا في الحالات التي تكون قد نشأت فيها أدلة جديدة وواقع الحال أن ما أدلى به شاهاً المحكمة لم يكن يشكل أدلة كما أنه لم يكن في الأمر ما كان يمكن وصفه بأنه جديد فهو لم يتعد الرأي المستقل بعد رأي سابق أدلى به شاهد الدفاع عزيز حنا ولما كانت المحكمة الكبرى أصلاً غير ملزمة بأي من الرأيين فإنه لم يكن مطلوباً منها أن تفتح الباب لمزيد من الآراء فقد كان أمامها رأيان  لها أن تأخذ بما ينفق منهما مع العقل والمنطق لتكوين عقيدتها  في مدى ثبوت الدفع بالجنون الذي أثاره الدفاع وعلى هذا فإنه لا مجال للتعرض فيما ورد في تلك الآراء بالتفصيل الذي يعتقده محامي الدفاع ثم أنه لا مجال للقول بأن المحكمة لم توازن سلوك المحكوم عليه قبل الحادث لمجرد أن المحكمة لم تضع أسئلة في هذا الشأن لتجيب عليه نحو ما يراه محامي الدفاع فلا شك أن تحركات المحكوم عليه يوم الحادث وسلوكه أثناء المحاكمة كانت وقائع ثابتة أمام المحكمة الكبرى ولا يمكن أن تكون قد أغفلتها عند قرارها بعدم ثبوت الجنون المدفوع به فليس كل تصرف سابق لفعل جنائي دليلاً على اختلال في القوى العقلية أو النفسية

وترتيباً على ذلك فإننا نتفق مع المحكمة الكبرى في قرارها بعدم ثبوت الجنون لا ترجيحاً لرأي شاهدي المحكمة – وهما متخصصين في مجالين متنوعين  وحسب وإنما لأن ما أدلى به شاهد الدفاع دكتور عزيز حنا لا يتفق مع العقل ولا المنطق فهذا الشاهد وإن كان أميناً في عدم جزمه بأن المحكوم عليه كان يعاني من حالته المرضية وقت الحادث لم يفسر كيف يستقيم عقلاً أن يظهر مرض كامن لا أثر له في تاريخ المحكوم عليه لمدة دقائق هي الزمن الذي استغرقه الإعداد للفعل وتنفيذه ؟ ثم إذا سلمنا بأن الغضب من الظروف التي يمكن أن تثير ذلك المرض ألا يفترض أن يكون المحكوم عليه قد قتل كثير من الناس قبل ذلك ؟ إذ أن من المؤكد أن يكون المحكوم عليه قد تعرض لحالات غضب أشد من تلك الحالة التي واجهته ليلة الحادث فالذي أثار المحكوم عليه تلك الليلة هو وقوف شاهد الاتهام الرابع بعربته بالقرب من باب منزله (أي منزل المحكوم عليه) وحتى إذا كان الغضب نتيجة لتكرار وقوف العربات  أمام المنزل فهل في ذلك ما يثير كل هذا الغضب ؟ ولمن يتوقع أن يوجه ما أثاره مثل هذا الغضب ؟ للمجني عليهم الذين ربما سمحوا بوقوف العربة (وربما لم يكونوا قد انتبهوا لها ) أم للشخص الذي أثار هذا الغضب مباشرة وهو شاهد الاتهام الرابع؟

إن سلوك المحكوم عليه ذلك اليوم كان عادياً وربما أغضبه وقوف عربة بالقرب من باب منزله فأثار ذلك في نفسه خلافه مع المجني عليهم فقام بارتكاب فعله ذلك ولكن هل من الجنون في شئ أن يخطو المحكوم عليه للوراء قبل إشعال عود الثقاب في البنزين الذي سكبه على الدكان ؟ إن هذا التصرف يكشف عن وعي وإدراك تامين من المحكوم عليه وهما يتنافيان مع ادعائه للجنون وقت ارتكاب الحادث

صحيح أن إثبات الجنون لا يكون بما وراء الشك المعقول وإنما يكفي أن يكون بموازنة الأدلة والاحتمالات إلا أن ما قدمه الدفاع في هذا الشأن لا يرقى إلى المستوى الذي يصلح معه لأية مقارنة أو موازنة مع ما هو مفترض وثابت بشأن سلامة عقل المحكوم عليه

وما قيل عن الدفع تحت المادة 50 من قانون العقوبات يمكن أن يقال باطمئنان عن الدفع بموجب المادة 249(6) من القانون ذاته ذلك لأنه لم يثبت بأي قدر من الدليل أن المحكوم عليه يعاني أو كان يعاني من أي اضطراب ناشئ عن تخلف أو إصابة أو مرض عقلي في معنى هذه المادة وكما قالت هذه المحكمة في قضية حكومة السودان ضد وليم سعيد نسيم م ع /م ك/110/80 / نشرة الأحكام الرباعية ليناير /فبراير / مارس 1981م ص 12

(إن الدفع الخاص بالمسئولية المخففة والذي ضمنته الفقرة السادسة من المادة 249 عقوبات يجب أن يثبت للمحكمة من البينات أو تصرفات المتهم أو بينة الاخصائي المختص بالموضوع أنه دفع يعتمد على ضوابط ومعايير ولا يمكن أن تطبقه على أي شخص ارتكب جريمة قتل لمجرد عدم عثورنا على الدافع إن الغضب والتوتر والإحباط النفسي لا يمكن أن يشفع لشخص أن يرتكب جريمة قتل أنها حالات نفسية لا يمكن أن تبيح الجريمة

وقد أثار المحكوم عليه ومحاميه في مذكراتهما لهذه المحكمة بعض النقاط لا نرى حاجة بنا إلى التعرض لها لكونها غير منتجة إلا أنهما أثارتا نقطتين نرى أن نتعرض لهما وهما الجو الذي ساد إجراءات القضية ثم عدم طلب شهود أخلاق من المحكوم عليه

ولعله يجدر بنا ان نبدأ بالاتفاق مع المحكوم عليه ومحاميه على أن هذا الحادث قد أثار كثيراً من الهرج والتحرش والتعدي من أهل المجني عليهم كما تناولت الصحافة المحلية الحادث بكثير  من الإثارة والتفصيل والمتابعة بيد أنه لا يمكن أن يسند لما حدث أي أثر عفوية الأدلة وصدق الذين قدموها أو في موازنتها فقد أمسكت المحكمة بزمام الامور في الوقت المناسب فأصدرت من الأوامر ما أدى إلى وقف الحملة الصحفية وكذا كبح جماح أهل المجني عليهم

أما فيما يتعلق بما أثاره المحكوم عليه من أن المحكمة الكبرى لم تطلب منه تقديم شهود أخلاق فلا شك في أن ذلك يشكل مخالفة للمادة 184 من قانون الإجراءات الجنائية ولعل احاطة المحكمة الكبرى من خلال ما قدمه المحكوم عليه من الإجراءات بكثير من ظروف المحكوم عليه وأخلاقه ووضعه المهني والاجتماعي (وهي في جملتها ما يقدم عادة بواسطة شهود الأخلاق فهي التي أدت إلى إغفالها لمتطلبات المادة 184م المشار إليها مع أن هذا  لا ينفي وقوع المخالفة إلا أنه ليس فيها ما يؤثر في إجراءات المحكمة بقدر يبطلها أو يبرر إعادتها لها في أي جزء منها فما دام ما زال متاحاً أن تكون أخلاق المحكوم عليه (كما كشف عنها ما قدمه المحكوم عليه نفسه كتابة قبل صدور قرار الإدانة وما حوت تقارير الأطباء) محل الاعتبار وما دام المحكوم عليه لم يضر في دفاعه بهذا العيب في الإجراءات ولم يكن فيه ما أثر في سلامة الحكم فإنه يمتنع على هذه المحكمة التعرض لهذه المسألة بأكثر من الإشارة إلى وجه الخطأ فيه (المادة 261 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1974م)

وحيث أن الحكم بإدانة المحكوم عليه بموجب المادتين 251و  375 من قانون العقوبات قامت على أدلة مقبولة لم يقابلها من استدلالات الدفاع ودفوعه القانونية مما يلقي عليها من الشك ما ينال من قوتها أرى أن نؤيد إدانة المحكوم عليه بموجب المادتين 251 و 275 وأن نؤيد حكم الإعدام الصادر ضده

سلام الله عليكم. ما شائف أسئلة او استفسارات لأنه المعلومة واضحة وإلا ما متابعين؟ نأخذ الكبسولة دي ونشوف الإجابة.

أذكر بأنه قلنا لما المشرع يبدأ النص ( لا يعد مرتكبا جريمة) معناها بيتكلم عن الفاعل (محل الجريمة) ولما يقول ( لا يعد الفعل جريمة ) .بيتكلم عن سبب المسئولية وأذكر بأنه كل القانون الجنائي أسأل منو عن شنو وليه؟ محل المسئولية وسببها.

نحن الآن بصدد محل المسئولية (الفاعل) وعشان توضح الصورة وتجاوزا لترتيب المواد نقفز للمادة 13 من القانون الجنائي 1991  لا يعد مرتكبا جريمة الشخص الذى أكره على الفعل بالإجبار أو التهديد بالقتل أو بأذى جسيم عاجل يصيبه في نفسه أو أهله أو بضرر بليغ في ماله إذا غلب على ظنه وقوع ما هدد به ولم يكن في قدرته  تفادي ذلك بوسيلة أخرى.

لا يبيح الإكراه تسبيب الموت أو الأذى الجسيم. أو ارتكاب أي من الجرائم الموجهة ضج الدولة، المعاقب عليها بالإعدام.

متذكر انت أنه قلنا لا مسئولية إلا على مختار. والمكره ليس مختارا ،بمعنى أنه لم تتجه إرادته لارتكاب الجريمة اليد الحقيقية التي ضغطت على الزناد وأطلقت الطلق الناري هي يد المكره (بكسر الراء) وبالتالي الإرادة الآثمة هي إرادة المكرِه وليس المكر بفتح الراء

يعنى ما ح أسأله ليه لأنه غير مختار. مش قلنا المواد من 9 الى 18 تفصيلات للمادة 8 ؟ يعنى كان ممكن المشرع يعتمد على ذكاءك ويكون كل القانون المادة 8 ،

نشوف شروط الإكراه كمانع للمسئولية.

1- يكون الإكراه بالقتل أو الأذى الجسيم عاجل، يعنى لو ما عاجل مستقبلي لا يتحقق الإكراه. يصيبه في نفسه أو أهله .

2- ضرر بليغ في ماله لازم بليغ وإلا فلا. متين مش لو أي كلام لا بقدر يعملها ، يعنى غلبة الظن أنه المهدد يستطيع أن ينفذ تهديده ، يعنى يا ينفذ أو يصاب ماله بضرر بليغ يحرق البيت يحرق العربية يفرق ليك المحصول كلها ضرر بليغ قيس عليه.

3- لا مفر له سوى تنفيذ المكره عليه يعنى ما بيقدر يتفادى التهديد بأي وسيلة أخرى لا استنجاد و لا بلاغ و لا غيره.

إذا تحققت هذه الشروط هل المانع مطلق وإلا مقيد ؟ مقيد بشنو؟ بأنها ما تكون قتل و لا أذى جسيم. يعنى شنو يعنى يا قاتل وإلا مقتول تكون عبدالله المقتول لا القاتل. ليه ما لأنه نفس لنفس تسردب  إنت وتشيل الطلقة و لا تكون أناني تضحى بغيرك، مروءة وشهامة يعنى ما مشروع تقتل غيرك عشان تسلم نفسك، بنفس القدر الجرائم ضد الدولة مش كلها المعاقب عليها بالإعدام.

واضح الإكراه وشروطه.

نواصل بحل الله.

ومن حيث التطبيق تزامنا مع الشرح إليك هذا الحكم.

حكومة السودان //ضد // كلثوم خليفة عجبنا

بسم الله الرحمن الرحيم

المحكمة العليا

القضاة :

سعادة السيد/ علي يوسف الولي         قاضي المحكمة العليا        رئيساًَ

سعادة السيد/ إسماعيل عطية موسى    قاضي المحكمة العليا        عضواً

سعادة السيد/ عبد الرحمن شرفي       قاضي المحكمة العليا        عضواً

حكومة السودان //ضد // كلثوم خليفة عجبنا

النمرة : م ع / غ أ / 48 /1992م

 

المبادئ:

جنائي – الإحصان الموجب  لإقامة الحد في جريمة الزنا – معناه – المادة 146(3)

إثبات –الإقرار – جريمة الزنا – إدعاء الإكراه  على ارتكاب الجريمة –في المراحل الاستئنافية – يعتبر شبهة تدرأ الحد –

الإحصان  الموجب  لإقامة الحد في جريمة الزنا يستوجب  تحقق شرطين  أولهما قيام الزواج الصحيح وثانيهما الدخول أثناء قيام هذا الزواج

 

إذا أقر المتهم  بارتكاب جريمة  الزنا  في مرحلة التحري  والمحاكمة  لدى محكمة الموضوع ثم ادعى لدى المحاكم الاستئنافية  بأنه استكره على ارتكاب جريمة الزنا  فإن هذا الادعاء  يعتبر شبهة تدرأ حد الزنا

المحامون :

الأستاذ/ عبد الرحمن محمد هارون                                          عن المتهمة

 

ملحوظة المحرر:

1- هذا  الحكم خالف ما أرسته المحكمة العليا في قضية  مريم محمد عبد الله

مجلة الأحكام القضائية  1985م ص 91 والتي أيدت محكمة الموضوع  بإدانة المدانة بجريمة الزنا  الحدية والحكم عليها بالإعدام رجماً  حتى الموت رغم ادعاء الإكراه

2- راجع قضية  محمد سعيد عربي  مجلة ا

3- لأحكام القضائية 1983م التي خالفت  ا جرى عليه العمل  وأعادت الأوراق لمحكمة الموضوع  لاستيضاح المتهم  عن رجوعه  في الإقرار

الحكم

القاضي: علي يوسف الولي

التاريخ: 2/4/1992م

هذا طلب استئناف تقدم به لهذه المحكمة  العليا المحامي عبد الرحمن محمد هارون  نيابة عن المدانة  كلثوم خليفة التي أدانتها محكمة  جنايات تندلتي  بجريمة  الزنا برجل بواسطة امرأة  غير محصنة تحت المادة 145(1) (ب) المعاقب عليها تحت المادة 146(1) (أ) من القانون الجنائي لسنة 1991م بالرجم حداً كما وصل  إلى هذه المحكمة استئناف من  المدانة نفسها  بواسطة رئيس  محكمة استئناف الولاية الوسطى  وفي نفس الوقت  رفعت محكمة الموضوع  أوراق هذه القضية  لهذه المحكمة عملاً بالمادة 181 إجراءات جنائية لسنة 1991م وبالمنشور الجنائي رقم 3/1405هـ وذلك للتثبت والتروي والتيقن  من سلامة وصحة هذا الحكم  الحدي وللاطمئنان  لى التأويل السليم والتطبيق الصحيح لأحكام الشريعة السلامية السمحاء  ونصوص القانون الجنائي المستمد منها

يرى  المحامي عبد الرحمن محمد هارون  أن المدانة المذكورة  لم تكن متزوجة وقت ارتكابها جريمة الزنا التي تقر بها  وبالتالي يرى أن المدانة وقت ارتكابها الفعل  لم تكن هنالك زوجية صحيحة  ولم تكن  في عصمة  شخص وإنما كانت غير متزوجة وبالتالي فهي غير محصنة

نوجز الوقائع  في أن المدانة المذكورة في حوالي يوليو سنة 1990م مكنت رجلاً من وطئها دون أن يكون  بينهما رباط شرعي حتى حملت منه سفاحا  وقامت بدفن الجنن  في منزلها في حي بئر المجلس بتندلتي  وقد كانت المدانة متزوجة زواجاً شرعياً وصحيحاً أنجبت من  زوجها ولداً عمره الآن حوالي ثلاث سنين  إلا أن زوجها طلقها  وبعد الطلاق قامت المدانة بارتكاب جريمة الزنا  التي أدانتها بموجبها  محكمة جنايات تندلتي  وقضت عليها بعقوبة الرجم حداً لا أثناء التحري  ولا أثناء المحاكمة لم تدفع المدانة بأنها استكرهت على ارتكاب جريمة الزنا كما أنها لم تدفع أمام محكم الموضوع بأن اعترافها بجريمة الزنا لقاضي الجنايات وللمتحري قد انتزع بالإكراه وكانت في جميع مراحل التحريات لدى الشرطة  والمحاكمة أمام محكمة الموضوع  تقر بجريمتها وأنها عندما ارتكبت  تلك الجريمة  كانت مطلقة من زوجها السابق

إلا أن محاميها –كما أسلفت _ دفع في مذكرة الفحص لهذه المحكمة العليا  بأن المدان  عندما ارتكبت  جريمتها  التي تقر بها  دون إكراه كانت غير محصنة  وكأني  به يسعى  لدرء حد الرجم  والإبقاء على حد جريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة المعرفة في المادة 145(1)(ب) والمعاقب عليها بالجلد مائة جلدة في المادة 146(1) (ب) من القانون الجنائي لسنة 1991

وأما المدانة  في مذكرتها  الأولى  التي وصلت لهذه المحكمة  العليا ن طريق سلطات  السجن قالت :_

” وأنا لم يسبق لي الزواج”

وهي بذلك تود أن تدرأ عنها عقوبة الرجم  الحدية مستسلمة  للعقوبة الحدية المذكورة أعلاه لجريمة الزنا رجل بواسطة امرأة غير محصنة

ولكنها ترجع وتقول في  مذكرتها الثانية التي وصلت أيضاً عن طريق الجهات الرسمية بما يشير إلى لأنها استكرهت على ارتكاب الزنا في قولها :_

” صادفني أحد رجال الشرطة وقال لازم أقابله وقابلته  في المكان الذي حدده  ووجدت أمامه  زجاجتين من مشروب البيبسي ناولني واحدة وأخذ هو الثانية وشعرت بنعاس وفعلاً نمت  وعندما صحوت  وجدت نفسي مغتصبة ”

وهكذا يدفع محامي المدانة بأنها  غير محصنة  وقت ارتكاب الجريمة وتدفع المدانة  بأنها غير متزوجة  وقت ارتكاب الجريمة  وأنها استكرهت على ارتكاب الجريمة  وكل هذه  الدفوع  لأول مرة ترد أمام المحكمة العليا ولم تشر  لها المدانة من قريب أو من بعيد في إجراءات  تحريات  ومحاكمة  القضية

الأسباب

بعد استقراء يومية التحري  ومحضر المحاكمة الذي أعدته محكمة الموضوع ومذكرة  المحامي عبد الرحمن محمد هارون  محامي المدانة ومذكرتي المدانة نفسها الأولى والثانية وبعد الرجوع إلى نصوص القانون الجنائي  لسنة 1991م وإلى آراء جميع فقهاء الإسلام الذين أخذ عنهم المشرع  السوداني ذلك التشريع أرى أن المدانة  كلثوم خليفة عجبنا  لم ترتكب جريمة  الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة المعرفة في المادة 145(1)(ب)  والمعاقب عليها بالرجم حداً فى المادة 146(1)(أ) من القانون الجنائى 1991 كما قضت محكمة  الموضوع لانها كانت غير محصنة فى تاريخ أرتكاب الجريمة ولكنها ارتكبت جريمة الزتا برجل بواسطة إمرأة غير محصنة المعرفة فى المادة 145(1) (ب) المعاقب عليها بالجلد مائة جلدة فى المادة 146(1) (ب) ذات القانون وذلك اتفاق  على ما رأى محامي المدانة عبد الرحمن هارون  في مذكرته أمام هذه المحكمة العليا لأن عناصر تلك الجريمة ثابتة  وذلك ارتكازاً على إقرار  المدانة المذكورة  وحده في جميع مراحل تحريات هذه القضية  المؤيد والمعضد والمعزز بالأدلة  الطبية والظروف  وقرائن الأحوال والملابسات  التي أحاطت  بوقائع الجريمة إلا أن ما أشارت إليه المدانة في مذكرتها الثانية أمام هذه المحكمة العليا  بأنها استكرهت  على ارتكاب جريمة  الزنا  يشكل عدواً  ضمنياً  عن إقرارها  الوارد في جميع مراحل تحريات ومحاكمة القضية  مما يؤدي إلى درء  العقوبة الحدية  لجريمة الزنا  برجل بواسطة امرأة غير محصنة  المنصوص عليها في المادة 146(1)(ب)  من القانون الجنائي لسنة 1991م وهي الجلد مائة جلدة  على أن توقع ليها عقوبة تعزيرية  وفقاً لنص المادة 39 من القانون الجنائي   لسنة 1991م هي السجن  بما قضت من مدة حتى  تاريخ إخطارها  بهذا الحكم

وواضح أن القانون الأصلح للمدانة

هو القانون الجنائي لسنة 1991م وليس قانون العقوبات لسنة 1983م الذي ارتكبت الجريمة في ظله سنة 1990م

إن الأركان الأساسية  التي تنبني  عليها جريمة  الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة المعرفة في  المادة 145(1)(ب) والمعاقب عليها بالجلد مائة جلدة  في المادة  146(1) (ب) ن القانون الجنائي لسنة 1991م

نستطيع أن نوجزها في الآتي :_

1- أن تمكن المرأة رجلاً من وطئها

2- أن يكون الوطء دون رباط شرعي

3- أن تكون المرأة غير محصنة

4- أن يكون الوطء في موضع خارج الولايات الجنوبية

إن البينة الشرعية الوحيدة التي إستند عليها الإتهام في إدانة المدانة كلثوم خليفة عجنبا تتمثل في إقرارها أو إعترافها القضائي دون البينة الشرعية الأخرى المتمثلة في شهادة الشهود وفقاً للنصاب الشرعي للشهادة و ذلك لإنعدام شهود العيان في قوت إرتكاب الجريمة

ومعلوم إن القاعدة العامة التي تحكم قبول الإقرار أو الإعتراف كبينة شرعية هي ضرورة الركون إليه ككل دون تجزئته لأنه لا يجوز- عدالة وإنصافاً أخذ ما هو ضد المعترف أو المقر وترك وطرح ما هو في صالحه

ولكن جرى وتواتر وأستقر وإنتهى قضاؤنا على وضع إستثناءات معينة لهذه القاعدة العامة هي أن ترفض المحكمة أجراء الإقرار أو الإعتراف التي تتجافى وتتعارض مع العقل والمنطق السليم والمجرى العادي للأمور الطبيعية ولا تتفق وطبائع الأشياء والظروف وقرائن الأحوال والملابسات التي تحيط بوقائع القضية وأن ترفض المحكمة أيضاً تلك الأجزءا من الإقرار أو الإعتراف التي تناهضها وتدحضها بينات أخرى والتي لا تطابق الحقيقة والواقع لأن المقر أو المعترف حشرها حشراً لتبرير أفعاله الإجرامية كإدعاءات وأكاذيب باطلة و إختلاقات و إفتراءات لا أساس لها من الصحة والواقع مما لا يركن إليه وجدان المحكمة ولا يصدقه الضمير ولا يطمئن لصحة الرواية ولا تستيطع المحكمة أن تكون عقيدتها تجاهه عن قناعة تامة

ومعلوم إن للإقرار أو الإعتراف ضوابط وشرائط لابد من توافرها لتجعله جديراً- كشريحة من الشرعية- بإثبات الجريمة الحدية فوق كل الشبهات ودون مرحلة الشك المعقول وهذه الضوابط هي:

1- يجب أن يكون المقر عاقلاً وبالغاً سن المسئولية التي يتنص عليها القانون وغير محجور عليه وحسب نص المادة 23 (1) من قانون الإثبات لسنة 1983م

2- يجب أن يكون الإقرار صحيحاً وليكون الإقرار كذلك يقتضي أن يصدر عن طواعية وإختيار وألا يكون نتيجة لإغراء أو إكراه حسب منطوق المادة    24 (1) من قانون الإثبات لسنة 1983 وألا يكون نتيجة لوعيد أو تهديد أو تعذيب أو وعد

فإذا أرتكب المتهم الجريمة الحدية وأقر بذلك في مرحلة تحريات البلاغ لدى الشرطة وفي مرحلة المحاكمة أمام محكمة الموضوع ولكنه دفع في إقراره بأنه أرتكب الجريمة الحدية نتيجة إكراه وأثبت ذلك أمام محكمة الموضوع بالدليل القاطع فإن شبهة الإكراه في هذه الحالة قوية تمحو وصف الجريمة الحدية ويترتب عليها براءة المتهم نهائياً ويخلي سبيله من غير أية مساءلة جنائية والسند والحجة على ذلك ما ورد في محكم التنزل قوله عز وجل:

” إلا من أكره وقبله مطمئن بالإيمان”

الآية (106) سورة النحل (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) الآية (33) سورة النور

والدليل على ذلك ما ورد في السنة المطهرة في قوله صلي الله عليه وسلم : ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما أستكرهوا عليه) والدليل على ذلك أيضاً إستقر عليه قضاؤنا في قضية حكومة السودان ضد الحاجة الحسين سليمان مجلة الأحكام القضائية سنة 1988م ص186 حيث إستطاعت المتهمة أن تثبت بأنها إستكرهت على إرتكاب جريمة الزنا من خلال إقرارها المؤيد بالظروف وقرائن الأحوال والملابسات التي أحاطت بالوقائع المتعلقة بالحادث- قضت المحكمة العليا بأن وطء المرأة بإكراه سواء نتج عنه الحمل أو لم يتنج عنه ليس بجريمة مطلقاً حدية أو غير حدية في حق المرأة لإنعدام الرضا والموافقة أي التعمد أو القصد الجنائي ومن ثم تمت براءة المتهمة

ولكن لن تتأتي البراءة في هذه الحالة ما لم يثبت الدفاع بان المتهمة قد إستكرهت على إرتكاب الجريمة الحدية التي أقرت وأعترفت بإرتكابها وإثبات ذلك قد يتم بالبينات المباشرة وغير المباشرة والظروف وقرائن الأحوال والملابسات التي تحيط بوقائع الجريمة الحدية

فقد ورد في كتاب مسقطات العقوبة الحدية- دراسة فقهية مقارنة للقاضي محمد إبراهيم على صفحتي 138 و 141 ما يلي:

( إذا أرتكبت جريمة الزنا ودفع الزاني- رجلاً كان أو إمرأة بأنه أرتكب الزنا نتيجة إكراه بالقتل وثبت ذلك فهل هذه شبهة تدرأ حد الزنا أم لا؟ فلا نعمل حد على مكره في قوله عامة أهل العمل وروى ذلك عن عمر والزهري وقتادة والثوري ولا نعلم مخالفاالراجح هو ما ذهب إليه الجمهور من أن الإكراه يؤثر على زنا الرجل كما يؤثر على زنا المرأة فيدرأ العقوبة الحدية)

و إذا أقر المتهم بإرتكاب الجريمة الحدية أثناء التحريات لدى الشرطة إلا أنه دفع فيما بعد في مرحلة إجراءات المحاكمة لدى محكمة الموضوع  بأن إقراره صدر من جراء إكراه وتعذيب وسواء إستطاع الدفاع أن يثب ذلك أم لم يستطع أمام محكمة الموضوع فإن شبهة الإكراه هنا في هذه الحالة يترتب عليها درأ الحد وتنزل الجريمة الحدية إلي جريمة عادية غير حدية بسبب شبهة العدول الضمني عن الإقرار وتوقيع العقوبة التعزيرية المناسبة فقد قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد محمد عبدالله جاه الرسول مجلة الأحكام القضائية سنة 1973م ص263 بأن الإعتراف المسحوب هو الذي يذكر المتهم إنه أدلى به أو يقر بإدلائه وينكر إن ذلك كان عن طواعية

ويتعين على المحكمة ألا تديب المتهم بالجريمة الحدية عملاً بقاعدة ضرورة التثبت والتريث والتشدد في إثبات جرائم الحدود- في حالة أن يكون الإقرار هو الدليل الوحيد- ما لم يكن الإقرار غير مسحوب صراحة أو ضمناً ففي قضية حكومة السودان ضد العوض مركز معالي مجلة الأحكام القضائية سنة 1983م ص150 قد قضى بأنه يجب على المحكمة التثبت من إن إقرار المتهم كان عن طواعية وإختيار طبقاً للمادة 24 (2) من قانون الإثبات لسنة 1983م

فإن الإقرار الذي أنتزع من المتهم إنتزاعا بالإكراه أو الإقرار الذي يشتبه في أنه إنتزع من المتهم بالإكراه غير جدير بإثبات الجريمة الحدية فقد ورد في حديث إبن عمر :

( ليس الرجل عن نفسه بأمين إن جوعت أو خوفت أو أوثقت)

وقد ورد على لسانة سيدنا عمر رضي الله عنه قوله: ليس الرجل أمينا على نفسه إذا أجعته أو ضربته أو أوثقته)

و إذا أقر المتهم بإرتكاب الجريمة الحدية أثناء التحريات لدى الشرطة وأثناء المحاكمة لدى محكمة الموضوع إلا أنه دفع أمام محكمة الإستئناف أو المحكمة العليا حتى و لو ورد ذلك في شكل إدعاء في مذكرة الإستائناف أو الفحص بأن إقراره في مراحل إجراءات القضية في التحريات والمحاكمة كان نتيجة لإكراه أو أنه إرتكب الجريمة الحدية بالإكراه فإن شبهة الإكراه هنا في هذه الحالة يترتب عليها درء الحد وتتحول الجريمة الحدية إلي جريمة غير حدية أو يدرأ الحد و يستبدل بعقوبة تعزيرية ولا حاجة بمحكمة الإستئناف أو المحكمة العليا لإعادة الاوراق لمحكمة الموضوع من أجل التحقيق في ثبوت ذلك الإدعاء بل يجوز لمحكمة الإستئناف أو المحكمة العليا نفسها أن تقوم بذلك الإجراء دون إثبات ذلك الإدعاء الذي يشكل أدنى شبهة تدرأ الحد فقد ورد في كتاب مسقطات العقوبة الحدية- دراسة فقهية للقاضي محمد إبراهيم محمد المشار إليه سابقاً ص115ما يلي:

( الإمامية قد أخذوا بمبدأ درء الحدود بالشبهات إنهم أستعملوا أدنى شبهة لإسقاط الحد فقد ذكروا” ويسقط الحد- أي حد الزنا بإدعاء الزوجية و لا يكلف المدعي بينة ولا يميناً ” فهم يسقطون الحد عن البالغين العاقلين المريدين بمجرد إدعاء الزوجية دون بينة ولا يمين” وقالت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد محمد عبدالشافع ساكن مجلة الأحكام القضائية سنة 1984م ص72 ما يلي:

( لقد ثبتت الجريمة ضد المتهم بموجب إقراره إذ أن أحداً لم يشاهده وهو يقوم بسرقة التلفزيون وقد تقدم المتهم بمذكرة لهذه المحكم يدفع فيها بأنه أكره على الإقرار بواسطة الشرطة ولم يقم دليل على هذا الإكراه ولكن هذا يعني عدوله عن الإقرار) وقالت المحكمة العليا على ص15 في قضية حكومة السودان ضد محمد محمود طاهر مجلة الأحكام القضائية سنة 84 ما يلي:-

( إن المتهم تقدم بإستئناف أنكر فيه إقراره بالزنا وإن الإقرار الذي جاء بيومية التحري كان تحت الضرب والتهديد وعلى كل فإنه يواخذ بإقراره وكان يجب حده- ولكن إنكاره الإقرار من خلال عريضة الإستئناف ولتكذيب الطرق الأخرى له فإنه يسقط عنه الحد- ويجب تعزيره)

عليه فإن المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد مريم محمد عبدالله مجلة الأحكام القضائية سنة 1985م ص91 عندما رفضت ما ذكرته المدانة بجريمة الزنا الحدية في طلب الإسترحام أو الفحص أمام المحكمة العليا بأن الرجل الذي أتصل بها جنسيها قد إستعمل معها القوة وعندما رفضت ما ذكرته المدانة في التحري بأن ذلك الرجل إتصل بها جنسياً مرتين و إنها خافت منه وسمحت له نتيجة لذلك الخوف بالإتصال الجنسي بها وعندما رفضت ما ذكرته المدانة في مرحلة محاكمتها أمام محكمة الموضوع عند إستجوابها إن ذلك الرجل قد إتصل بها جنسياً وهي نائمة- إن المحكمة العليا عندما رفضت جميع تلك الدفعوع كعدول ضمني عن إقرار المدانة بجريمة لإنه إدعاء بأن الجريمة وقعت بالإكراه وقد قضت المحكمة العليا بعد رفض جميع تلك الدفوع بتأييد حكم محكمة الموضوع بإدانة المدانة بجريمة الزنا الحدية والحكم عليها بالإعدام رجماًحتى الموت فإن المحكمة العليا تكون قد قضت في تلك السابقة بغير ما نص عليه الشرع الذي ينادي بدرء الحدود بالشبهات وبغير ما جرى عليه القضاء حيث تقول المحكمة العليا على ص99 في تلك السابقة ما يلي:

( ترى المحكمة إن ما إدعته المتهمة من إكراه لإرتكاب الجريمة قول يعوزه الدليل و ما جاء في أقوال المدانة في التحري و أثناء المحاكمة و ما ذكرته في طلب الإسترحام يجعل المحكمة تستيقن إنه لم يكن هنالك إكراه قد وفع على المدانة فلقد ذكرت في التحري إنه قد تم الإتصال بها جنسياً مرتين وإنها قد خافت وسمحت له بالإتصال وذكرت في المحكمة إنه إتصل بها وهي نائمةوذكرت في طلب الإسترحامإنه قد إستعمل معها القوة لإرتكاب الجريمة وهي ترعى معه بهائمهما في الخلاءالثابت إن المتهمة قد مكنت الزاني من إيتان الفاحشة معها وكانت مختارة في ذلك وطوال هذه الفترة لم تبلغ السلطات بالحادث والإكراه وقع عليها)

إن المحكمة العليا قد جانبها التوفيق في رفضها العدول المدانة الضمني عن إقرارها في سابقة حكومة السودان ضد مريم محمد عبدالله المشار إليها لأن المدانة إذا إستطاعت أن تثبت حقيقة أنها قد إرتكبت الزنا بالإكراه وذلك من خلال البينات المباشرة أو غير المباشرة المتمثلة في الظروف وقرائن الأحوال والملابسات التي أحاطت بوقائع الحادث فإن حكم المحكمة العليا كما جاء في سابقة حكومة السودان ضد الحاجة الحسين المشار إليها آنفاً- لكان البراءة وإخلاء سبيل المدانة لأن شبهة الإكراه هنا قوية تمحو وصف الجريمة الحدية نهائياً ولكن بما إن المدانة لم تفلح في إثبات إدعائها المذكور أمام محكمة الموضوع وأصرت عليه وكررته أمام المحكمة العليا فكان يتعين على المحكمة العليا أن تدرأ عن المدانة حد الزنا وتوقع عليها فقط عقوبة تعزيرية بسبب عدولها الضمني عن إقرارها المتمثل في شبهة الإكراه ولا يجوز إدانتها بجريمة الزنا الحدية بالرغم من عدولها الضمني عن إقرارها الوارد في مذكرة الإسترحام أمام المحكمة العليا

والمحكمة العليا أيضاً في قضية حكومة السودان ضد محمد سعيد عربي مجلة الأحكام القضائية لسنة1983م ص95 عندما قضت بأنه لا يجوز لها أن تسقط العقوبة الحدية من تلقاء نفسها أثناء نظر الفحص بعد أن إتضح لها عدول المتهم الضمني في عريضة طلب الفحص المقدم لها ورأت إرجاع أوراق القضية لمحكمة الموضوع لتستوضح المتهم عن رجوعه عن الإقرار فقد قضت بغير ما جرى عليه العمل فقد ورد على لسانهاالأتي:-

“إن عريضة المتهم للفحص قد إشتملت فعلاً عن رجوع ضمني عن الإقرار و هذا لا يؤثر في سلامة قرار المحكمة السابقة وإجراءاتها ولا يعطي المحكمة العليا حقاً بموجب سلطاتها في الفحص أن تسقط العقوبة أثناء نظر الفحص بل هذا من حق المحكمة التي أصدرت الحكم بأن تنظر في الرجوع عن الإقرار الوارد بالعريضة وتستوضح المتهم عنهفإن صرح برجوعه يسقط عنه الحد تبعاص لجمهور الفقهاء الذين يشترطون في الإقرار عندما يكون هو الدليل الوحيد للإثبات (ألا ينزع عنه المقر حتى يقطع)”

3- يجب أن يكون الإقرار قضائياً حسب نص المادة 20 من قانون الإثبات لسنة 1983م

4- يجب ألا يعتري الإقرار أية شبهة

فالإقرار الذي إعترته شبهة وفقاً لنص المادة 25 (3) من قانون الإثبات لسنة 83 لا يشكل بينة قاطعة- فقصد التستر على الفاعل الأصلي شبهة في الإقرار والرجوع عن الإقرار حسب نص المادة 26 (2) من ذات القانون والمادة 80 من نفس القانون أيضاً شبهة تدرأ الحد فالإقرار ينبغي أن يستمر غير معدول عنه إلي مرحلة ما قبيل البدء في تنفيذ الحكم والرجوع عن الإقرار- كما قضت المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد محمد عبدالشافع ساكن سالفة الذكر- قد يكون صريحاً كأن يكذب المقر نفسه أو ضمنياً فإذا أقر المقر بإرتكاب الجريمة ثم أنكر إقراره فإن ذلك يشكل عدولاً صريحاً وإذا أقر المقر بإرتكاب الجريمة ولكنه إدعى بأن إقراره إنتزع منه بالإكراه أو إدعى بأنه فعلاً إرتكب الجريمة الحدية ولكنه إرتكبها بالإكراه فإن ذلك يشكل عدولاً ضمنياً على نحو ما سلف بيانه والرجوع عن الإقرار يصح- كما قضت المحكممة العليا في قضية حكومة السودان ضد محمد عبدالشافع ساكن المذكورة- قبل القضاء وبعد القضاء ويصح قبل الإمضاء والتنفيذ وأثناء الإمضاء فإذا رجع أثناء الإمضاء أوقف التنفيذ

العدول عن الإقرار في مرحلة الإستئناف أو التأييد أو الفحص عندما تكون أوراق قضية الحكم أمام محكمة الإستئناف أو المحكمة العليا و من ثم يجوز لمحكمة الإستئناف أو المحكمة العليا بناء على عدول المدان عن إقراره في عريضة الإستئناف أو مذكرة الفحص أن تقرر درء الحد وإصدار عقوبة تعزيرية بسبب شبهة العدول عن الإقرار ففي قضية حكومة السودان ضد محمد محمود طاهر مجلة الأحكام القضائية سنة 1984 ص94 قضت المحكمة العليا بأنه لما كان إنكار الإقرار بإرتكاب جريمة الزنا في مرحلة الإستئناف جائزاً بل يعتبر رجوعاً عن الإقرار كشبهة تدرأ الحد ولما كان يجوز العدول عن الإقرار بالزنا قبل تنفيذ الحكم وفقاً للمادة 77 (أ) من قانون الإثبات لسنة 1983م فإنه يتعين توقيع عقوبة تعزيرية على المتهم تسقط الحد

5- يجب أن يكون الإقرار صريحاً ومبيناً ومفصلاً في إرتكاب الجريمة وشاملاً ومثبتاً لجميع أركانها

دعني بعد ذلك أناقش الأركان الأساسية التي تقف عليها جريمة الزنا برجل بواسطة إمرأة غير محصنة لأبين كيف إن المدانة أم كلثوم عجبنا قد إرتكبتها دون مرحلة الشك المعقول إرتكازاً لإقرارها القضائي وفقاً لشرطه وضوابطه على نحو ما سلف بيانه

س1         هل مكنت المدانة كلثوم خليفة عجبنا رجلاً من وطئها؟

ج1           نعم

 

عندما تمكن المرأة الرجل من وطئها ذلك يعني أنها كانت موافقة طواعية وإختيار ودون إكراه إو إرهاب أن يدخل حشفة ذكره كلها أو ما يعادلها في قبلها أي في فرجها وليس في دبرها أو أي موضع آخر من جسمها وبإستقراء البينة الشرعية في هذه القضية التي بين أيدينا والمتمثلة في إقرار المدانة كلثوم خليفة عجبنا ثابت إن رجلاً مجهولاً يدعى (التاج) واقعها بإختيارها مرتين بإدخال ذكره في فرجها إلي أن حملت منه سفاحاً ودفنت الجنين في داخل منزلها و ذلك تقريباً في يوليو سنة 1990م والقرار الطبي عن المدانة يعضد إقرارها بشأن هذه الوقائع و أما دفاع المدانة بأنها إستكرهت على إرتكاب هذه الجريمة الحدية والذي أثارته في مذكرتها أمام هذه المحكمة العليا لا يجديها فتيلاً لأنها لم تثره ولم تثبته بالدليل القاطع أمام محكمة الموضوع بأي بينة مباشرة أو غير مباشرة بالظروف وقرائن الأحوال والملابسات المحيطة بوقائع الحادث كما فعلت  المتهمة في قضية حكومة السودان ضد الحاجة الحسين سليمان المشار إليها سابقاً ومن ثم لا يمكن أن تترتب على هذا الدفاع براءة المدانة كلثوم خليفة عجبنا لأن شبهة الإكراه هذه لن تمحو وصف جريمة الزنا على نحو ما سلف بيانه

 

س2         هل الوطء دون رباط شرعي؟

ج2           نعم

وفقاً لنص المادة 145(3) من القانون الجنائي لسنة 1991م لا يعتبر النكاح المجمع على بطلانه رباطاً شرعيا ومهما يكن من شئ فإنه لم يرد على لسان المدانة كلثوم خليفة عجبنا في إقرارها في جميع مراحل إجراءات القضية بأن الرجل الذي أوقعها تربطه بها أية علاقة زوجية من أي نوع ولذلك لا حاجة بنا لمناقشة ما إذا كان النكاح في هذه الحالة باطلاً أم لا طالما نفت المدانة كلثوم خليفة عجبنا وجوده في الأساس وعليه أقرر –في إطمئنان- بأن المدانة المذكورة عندما مكنت ذلك الرجل من وطئها لم يعد هنالك رباط شرعي بينهما

س3         هل كانت المدانة كثلوم عجبنا غير محصنة؟

ج3           نعم

تنص المادة 146 (3) من القانون الجنائي لسنة 1991م على أنه يقصد بالإحصان قيام الزوجية الصحيحة وقت إرتكاب الزنا على أن يكون قد تم فيها الدخول وعليه فإن للإحصان شرطين لابد من توافرهما لإعتبار الزاني محصناً وإذا تخلف أي واحد من الشرطين فإن الزاني يكون غير محصن وهما:

أ- قيام الزواج الصحيح:

يشترط القانون في الإحصان أن يكون الواطئ قد سبق له أن تزوج زواجاً صحيحاً و إن ذلك الزواج الصحيح قائم وموجود في الوقت الذي إرتكب فيه الواطئ جريمة الزنا- فبقاء الزواج لازم لبقاء الإحصان فلو تزوج الواطئ زواجاً صحيحاً ثم إنتهت العلاقة الزوحية وزنا بعد ذلك فإن قيام الزوجية الصحيحة وقت إرتكاب الزنا في هذه الحالة غير وارد وبالتالي لا يعتبر الواطئ محصناً ففي القضية التي بين أيدينا وبناء على إقرار المدانة كلثوم عجبنا الذي أخذنا به ككل دون تجزئة وصدقناها فيما روت بأنها كانت قبل إرتكاب الجريمة متزوجة وعاشت مع زوجها لمدة ثلاث سنوات ثم بعد ذلك طلقها بعد أن أنجبت منه والداً الآن عمره ثلاث سنوات فالثابت إن المدانة المذكورة قبل إرتكابها جريمة الزنا كانت في عصمة رجل بمقتضى زواج صحيح ولكن في تاريخ إرتكاب جريمة الزنا كانت مطلقة وأما دفاع المتهمة في مذكرتها الأولى أمام المحكمة العليا بأنه لم يسبق لها الزواج مرفوقض والسؤال الذي يفرض ويطرح نفسه ويثور وتجب علينا الإجابة عليه ما إذا كان الطلاق ينفي قيام الزوجية الموجبة للإحصان وبالتالي ما إذا كان الزاني المطلق أو الزانية المطلقة يعتبر أو تعتبر غير محصن أو غير محصنة؟

في الواقع إن قيام الزوجية يسدل عليه الستار وينتهي ويزول بالطلاق أو الموت ولكن القانون يوجب بقاء النكاح أو الزواج لبقاء الإحصان وأخذ برأي الإمام الصادق وهو من الشيعة الإمامية الذي أيده الشيخ رشيد رضا و وافقه العلامة أبوزهرة بأن المطلق والمطلقة لا يتبر محصناً أو محصنة إذا زنا أو زنت بعد الطلاق وهكذا الذي ماتت زوجته أو التي مات زوجها لا يعتبر ولا تعتبر محصناً أو محصنة إذا زنا أو زنت بعد الموت فقد ورد على لسان المحكمة العليا في قضية حكومة السودان ضد أمنة بابكر أحمد مجلة الأحكام القضائية لسنة 1985م صفحتي 130-131 ما يؤيد هذا النظر بما يلي:

” وذهب الإمام الصادق من الشيعة الإمامية إنه لابد أن تكون الزوجة في عصمة الزاني وقت الزنا”

وقد أيد هذا الرأي الشيخ أبوزهرة لقد جاء في كتابه العقوبة ص111 ما يلي:

” ولكن عند النظر العميق لا نجد نصاً صريحاص يقرر إن المرأة المطلقة تعتبر محصنة وكذلك الرجل الذي ماتت زوجتهخ أو طلقها يعتبر محصناً” وقد ذهب إلي هذا القول أيضاً العلامة الشيخ رشيد رضا حيث ذكر في كتابه المنار:

” إن المحصنة بالزواج هي التي لها زوجها محصنها فإذا فارقها لا تسمي محصنة بالزواج- كما أنها لا تسمي متزوجة كذلك المسافر إذا عاد لا يسمي مسافراً ولكن ما بال الثيب التي فقدت كلا الحصنين تعاقب أشد العقوبتين إذا حكموا عليها بالرجم؟ هل يعدون الزواج السابق محصناً لها وما هو إلا إزالة لحصن البكارة وتعويد للمارسة الرجال فالمعقول الموافق للفطرة هو ألا يكون عقاب الثيب التي تأتي بالفاحشة عقاب المتزوجة” وذكر أبوزهرة:

“: نرى من هذا إن هنالك حصنين: حصن البكارة التي تحافظ عليه صاحبته ولكن مع ذلك كانت العقوبة الجلد لعزارتها ولقوة الطبع الدافع عند الرجل والمرأة على سواء”

والحصن الثاني حصن الزواج به تكاملت النعمة فتضاعف العقاب والتي فقدت الحصنين فزالت بكارتها بزواج ثم إنقطع تبفى لها قوة الطبع الدافعة فتكون عقوبتها هي أخف العقوبتين ولا نص يمنع ذلك لان العقوبة المشددة لم تثبت إنها تطبق على مثل هذه الحالة ولا حد من غير نص”

ولقد أخذ مشروع القانون المصري المستمد من الشريعة الإسلامية بهذا الرأي حيث نص في المادة الرابعة في البند الرابع:

“يقصد بالإحصان حصول جماع مثل الزنا في نكاح صحيح قائم وقت إرتكاب الجريمة”

ورأيي إنه من المناسب والأفضل أن نأخذ برأي الإمام الصادق الذي أيده الشيخ رضا ووافقه العلامة أبوزهرة إذ الأخذ برأي الجمهور عليه مشقة وحرج خاصة في هذا الزمن المتشبع بالفتن والمفاسدكما إنه لا يوجد نص صريح يشترط فرض عقوبة الرجم في هذه الحالة وهذه شبهة تدرأ الحد عن المتهمة

وعليه وبما إن المتهمة في هذا البلاغ قد طلقها زوجها قبل إرتكاب الجريمةوهذا يعني إنه لم يوجد نكاح قائم ساعة إرتكاب الحادث

وفي قضية حكومة السودن ضد أمنة أبكر أحمد المشار إليها فقد قضت المحكمة العليا بأن حدوث الطلاق قبل إرتكاب جريمة الزنا ينفي وجود الإحصان الموجب للرجم لأن المطلقة لا تعتبر محصنة عند بعض الإئمة وقد جاء ذلك الحكم بما يتفق مع التفسير السليم والصحيح لنص المادة 146(3) من القانون الجنائي لسنة 1991م

ب- الدخول أثناء قيام الزواج الصحيح:

يشترط القانون في الإحصان أن يكون الزاني قد دخل أو الزانية قد دخل عليه أثناء قيام زواجه الصحيح بإمرأة أخرى أو أثناء قيام زواجها برجل آخر والدخول يجب أن يكون في القبل وليس في الدبر أو في موضع آخر من جسم المرأة والدخول دخول الحشفة كلها أما يعادلها ففي القضية التي بين أيدينا ثابت من إقرار المدانة كثلوم خليفة إنها أنجبت من زوجها الشرعي السابق قبل طلاقها منه ولداً الآن عمره ثلاث سنين وذلك دليل واضح بأن الدخول عليها قد تم أثناء قيام زواجها الصحيح قبل طلاقها بواسطة زوجها السابق

عليهم لعدم توافر الشرط الأول من شرطي الإحصان وهو عدم قيام الزوجية الصحيحة وقت أن إرتكبت المدانة كلثوم جريمة الزنا وذلك بسبب الطلاق فإن المدانة المذكورة تعتبر غير محصنة

4- هل كان الوطء في موضع خارج الولايات الجنوبية ؟

ج 4: نعم

بالطبع إذا كان مسرح جريمة الزنا  في الولايات الجنوبية  حيث لا تطبق أحكام الشريعة الإسلامية فإنها  لا تكون حدية بل ستقع تحت المادة 146(4) من القانون الجنائي لسنة 1991م ولكن ثابت دون شك أن الجريمة التي نحن بصددها  وقعت في بلدة تندلتي  خارج الولايات الجنوبية

عليه لتوافر جميع الأركان التي  تنهض عليها جريمة الزنا برجل  بواسطة امرأة غير محصنة  فإننا نقرر باطمئنان أن المدانة كلثوم خليفة قد خالفت المادة 145/1 (ب) المعاقب عليها بالجلد مائة جلدة في المادة 146/(ب) من القانون الجنائي لسنة1991 م وعليه أرى إلغاء حكم محكمة الموضوع بإدانة المدانة بجريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة

بعد أن بينا أن المدانة كلثوم خليفة لم ترتكب جريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة المعرفة في المادة 145/(ب)  والمعاقب عليا بالرجم حداً في المادة 146/1(أ) من القانون الجنائي لأنها غير محصنة وقت ارتكابها الجريمة   المذكورة بل ارتكبت جريمة الزنا برجل بواسطة امرأة غير محصنة المعرفة في المادة 145/1 (ب)  والمعاقب عليها بالجلد  مائة جلدة في المادة 146/1(ب) من ذات القانون – يتعين علينا أن نوضح لماذا يجبب أن توقع على المدانة المذكورة عقوبة تعزيرية  وفقاً لنص المادة 39 من نفس القانون  دون العقوبة الحدية المذكورة

إن السبب في ذلك هو عدول المدانة المذكورة  ضمناً في إقرارها  عندما أشارت –كما أسلفنا _ في مذكرتها الثانية لهذه المحكمة العليا بأنها استكرهت  على ارتكاب جريمة الزنا فان نكوص المدانة المذكورة عن إقرارها أمام هذه المحكمة  العليا شكل شبهة درأت العقوبة الحدية عنها واستبدالها بعقوبة تعزيرية  لأن الرجوع عن الأبرار جائز قبل القضاء وبعد القضاء ويصح قبل الإمضاء  والتنفيذ وأثناء الإمضاء – أنظر قضية  حكومة السودان  /ضد /محمد عبد الشافع ساكن المشار إليها سابقاً  ولأن الرجوع  عن الإقرار  بارتكاب جريمة الزنا حتى في مرحلة الاستئناف  وأمام محكمة الاستئناف  والتأييد  أمام المحكمة العليا جائز  – انظر قضية حكومة السودان/  ضد/ محمد محمود طاهر المشار إليها آنفاً

وهذه المحكمة العليا عندما تدرأ العقوبة عن المدانة المذكورة بسبب عدولها عن الضمني عن إقرارها على ما سلف بيانه  دون أن تأمر بإرجاع الأوراق  لمحكمة الموضوع للتحقيق في ثبوت ذلك العدول إنما تتبع المنهج الذي جرى عليه العمل في المحاكم الأعلى  -أنظر  قضية حكومة السودان /ضد/ محمد عبد الشافع ساكن  وقضية حكومة السودان /ضد/ محمد محمود طاهر المشار إليهما آنفاً

وهذه المحكمة العليا عدما تدرأ  العقوبة الحدية  عن المدانة المذكورة وتستبدلها بعقوبة تعزيرية  إنما تنصاع لأمر رسولنا المطاع الصادق الأمين في حديث عائشة ضي الله عنها  قالت قال رسول الله _ صلى اله عليه وسلم _ :_

” إدرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم , فان كان له مخرج فخلوا سبيله  فان الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة ”

وفي حديث علي رضي الله عنه _ أمن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال  : ” ادرءوا الحدود بالشبهات  , ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود ”

وفي حديث أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مرفعاً ”

وأيضاً هذه المحكمة عندما تدرأ العقوبة الحدية عن المدانة المذكورة وتستبدلها بعقوبة تعزيرية إنما تتبع الآثار الوارد عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد روي عن عمر – رضي الله عنه –

”  لأن اخطأ في الحدود بالشبهات احب إلي من  أن أقيمها بالشبهات  ” وقد روي عن علي وابن عباس  رضي الله  تعالى عنهما  :_” إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل ”

وقد روي عن معاذ بن جبل وابن مسعود وعقبة بن عامر – رضي الله عنهم – ” إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت ”

لهذه الأسباب مجتمعة  أرى أن العقوبة التعزيرية المناسبة التي يجب توقيعها على المدانة المذكورة هي السجن بما قضت من مدة حتى تاريخ إخطارها  بهذا الحكم  وذلك وفقاً لنص المادة 39 من القانون الجنائي لسنة 1991م

القاضي : إسماعيل عطية موسى

التاريخ ك 16/7/1992م

بعد الإطلاع أوافق مولانا علي الولي في أن المدانة ليست محصنة لأنها كانت مطلقة وقت الفعل والإحصان يقصد به قيام الزوجية الصحيحة وقت ارتكاب جريمة الزنا على أن يكون قد تم في تلك الزوجية الدخول (انظر المادة 146/3 من قانون العقوبات لعام 1991م ومع أن المحكوم عليها لم تقدم أية بينة ( القسيمة مثلاً ) على زواجها السابق من رجل طلقها  فعلاً قبل مدة من الحادث إلا أنه يجوز أن نقبل ما جاء في إقرارها  الذي اعترفت ففيه بالزنا من رجل لا تعرف من اسمه إلا الاسم الأول (التاج)

ولقد جاء في طلبات الاستئناف والاسترحام التي تقدمت بها بعد أن واجهت الحكم بالإعدام رجماً بالحجارة أنه لم يسبق لها أن زوجت  بل هي بكر  وقدمت شهادة من اللجنة االشعبية للحي الذي تسكنه بعدم زواجها السابق الذي ادعته وعلى كل حال فإن سبق لها أن تزوجت فالقدر المتيقن من الحقيقة أنها لم تكن ساعة الحادث محصنة  سواء بسبب الطلاق أو بسبب كونها بكراً فالجريمة الحدية في حالة الزنا أم وقعت في حالتها فعقوبتها  واحدة هي مائة جلدة  لغير المحصن  إذا ما أقرت  على نفسها بالزنا واستمرت مصرة متمسكة و بذلك الإقرار ( انظر المادة 146/1 (ب)  من القانون الجنائي لعام 1991م

لقد أدانت محكمة الموضوع المدانة تحت المادة 145/1 (ب) المعاقب عليها بالرجم في المادة 146/1(أ) من القانون الجنائي لسنة 1991م ولكنا نرى أنها ليست محصنة بنفس  القانون ما دام لم يثبت أمام محكمة الموضوع أن هنالك زوجية قائمة وقت ارتكاب المتهمة للفعل وبما أن المتهمة كانت مقرة بارتكاب الجريمة حتى تمت إدانتها أمام المحكمة بناء على إقرارها افقد تبدل الحال بعد صدور قرار الإدانة ووجدت نفسها مواجهة بجريمة حدية عقوبتها الإعدام رجماً بالحجارة وبالرجوع إلى ما جاء في الطلبات التي تقدمت بها وهي حبيسة السجن في انتظار توقيع العقوبة الحدية نجد إنها رجعت عن إقرارها بالزنا ففي يوم 22/1/1992م أي بعد يوم واحد من صدور الحكم بالرجم كتبت قائلة :”  إنني متهمة تهمة باطلة لا يسندها دليل ولا يوجد فاعل حقيقي لهذه الفعلة حيث لا تتم إدانة من جانب واحد في جريمة حدية من أخص اختصاصاتها الشراكة في الفعل ” وعليه طلبت المدانة إعادة النظر في  فالموضوع  بالعدل والإنصاف وقالت أن عدم التأكد من طرف الجريمة الآخر  به شبهة قوية لصالحها  أن اعترافها كان خوفاً من العقاب لأنهم وعدوها بالإفراج أن اعترفت وتقول خاب أملها وجاءت النتيجة رغماً عنها  كما قالت ” أؤكد لسيادتكم أنني لم أرتكب جريمة الزنا أبداً ”

وفي طلب استئناف آخر قالت :” لم يسبق لي الزواج وترجو أن ينظر في العادة الحكم  ضدها علماً بأنني لم أحط بما حدث  ولم أفعل ذلك اختياراًَ ولم تكتف بذلك بل رفعت طلباً آخر استأنفت فيه الحكم في أربعة صفحات من القطع الكبير ذكرت فيه تفاصيل أكثر قالت أنها بكر وعمرها 17 سنة وتعاني من الجوع والعري والفقر وقد طلق والدها والدتها التي تزوجت من رجل آخر وتسكن هي مع والدتها من دون نفقة  من والدها وهي تعاني من الحرمان وغرر بها رجل من رجال الشرطة بعد أن وعدها الزواج وبعدها ارتكب معها الفاحشة وحبلت منه وتهرب منها وهددها بفتح بلاغ ضدها لأنه رجل قانون وستحاكم أن هي ذكرت اسمه خاصة وأنها لا تملك بينة  ضده وتمت المحاكمة كما أراد الشرطي  واسمه التاج ويلاحظ أن هذا هو الاسم الذي ذكرته أول مرة دون أن تكشف حقيقة انه رجل شرطة واستطردت تقول انه قدم لها  مشروباً شعرت بعده  بنعاس  ونامت فعلاً  وبعدها صحت  وجدت نفسها مغتصبة  وحاولت إجباره على تنفيذ  وعده  بالزواج لكنه  رفض  ونفذ تهديده

إن ما جاء في هذه الطلبات  يعتبر عدولاً عن الإقرار  والرجوع عن الإقرار يشكل شبهة تسقط  عنها الحد  ويجوز لها أن ترجع في إقرارها  في أي وقت  قبل تنفيذ العقوبة  الحدية   ولنا في رسول الله صلى الله ليه وسلم أسوة حسنة  فقد روي عنه  صلى الله عليه وسلم أنه  كان يلتمس الستر على المجرمين  بل كان يلقن من حضر إليه معترفاً بجريمته بأن يرجع عن إقراره وعلى الأخص في جريمة الزنا فقد ثبت أنه عندما جاءه ماعز وأقر بالزنا رده النبي صلى الله عليه وسلم  عدة مرات وكان يقول له لعلك قبلت  لعلك لامست  لعلك غمزت  وقوله صلى الله عليه وسلم  لراجمي ماعز ( هلاّ تركتموه ) وذلك عندما طلب منهم ماعز رده إلى  الرسول صلى الله عليه وسلم وكذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم  عندما جاءته العامرية مقرة بجريمة الزنا فقال لها صلى الله عليه وسلم ويحك ارجعي  فاستغفري الله وتوبي إليه وكان غرضه صلى الله عليه وسلم أن يرجع  المقر عن إقراره  حتى تكون هنالك شبهة تدرأ الحد وهذا يعني أن التضييق في الحدود أمر محبب في الإسلام

أما إذا رجعنا إلى السوابق القضائية فنجدها قد استقرت على درء الحدود بالشبهات امتثالاً للحديث الشريف “ادرءوا الحدود بالشبهات ” والرجوع عن الإقرار  يعتبر شبهة  تدرأ الحد  فقد جاء في السابقة  حكومة السودان /ضد/ محمد محمود طاهر  م ع /م ك / 80/84 أنكر المدان بجريمة حديه بقراره بالزنا ففي عريضة لاستئناف  وقال أن إقراره في مرحلة التحري  كان تحت الضرب والتهديد سقط الحد ولكن يجوز تعزيره  وعزر بثمانين جلدة

كما جاء في السابقة حكومة السودان /ضد/ محمد سعيد عريبي م ع / ف ج / 166 /83 إذا صرح المقر برجوعه  عن إقراره سقط عنه الحد  تبعاً لرأي جمهور الفقهاء  الذين يشترطون  في الإقرار  عندما يكون الدليل  الوحيد للإثبات  ألا ينزع عنه المقر حتى يقطع (( منشور جنائي89/83))

والرجوع لقانون الإثبات  لعام 1983م نجد أن المادة 77 منه قد نصت على ثبوت جريمة الزنا بالإقرار الصريح في  مجلس القضاء ما لم يعدل عنه قبل البدء في تنفيذ  الحكم ويكون الإقرار ولو مرة واحدة في مجلس القضاء  (مادة 78) من نفس قانون الإثبات لسنة 1983م وقد جاء في المادة 26/2 أن الرجوع  في الأبرار في المسائل  الجنائية يعتبر شبهة تجعل القرار بينة  غير قاطعة  كما أن الرجوع  عن الإقرار يعتبر من الشبهات  وتدرأ الحدود بالشبهات  كنص المادة 80 /1و 2 من نفس القانون

لقد جاء في استئناف المدانة أن عدم وجود الطرف الآخر للجريمة يسقط الحد  لوجود شبهة تدرؤه ونرد عليها بما جاء في السابقة القضائية حكومة السودان /ضد/ محمد  محمود طاهر    م ع / م ك / 880/84 مكرر حدي  1984م حيث قالت المحكمة العليا ” إذا اقر أيحد المتهمين بالزنا وكذبه الآخر سقط الحد وفقاً للمذهب الحنفي  وهذه الحالة التي قرت فيها المحكمة  هذا القرار لا تنطبق  على حالتنا المعروضة إذ أن المتهم  الثاني ” التاج” لم يتم القبض عليه أصلاً حتى يقر بالزنا أو ينكره لا شك  أن إقرارها الأول بالزنا ينسحب  عليها هي فقط ولا يتعداها إلى غيرها فإن ما ذكرته  لا يشكل  سبباً للشبهة  على أي حال  فقد سحبت كلثوم إقرارها في مرحلة الاستئناف وهذا النظر تؤيده السابقة  التي أشرنا إليها آنفاً  حيث جاء  فيها  أنه ” طالما كان الإقرار بارتكاب جريمة الزنا  قبل تنفيذ الحكم ( الرجم ) وفقاً للمادة  77 (أ)من قانون الإثبات لعام 1983م فإنه يتعين توقيع عقوبة تعزيرية  على المتهم  تسقط  الحد ”

نرى أن نكتفي بعقوبة تعزيرية على المتهمة كلثوم هي المدة التي تقضيها  بالسجن  وقت صدور هذا الكم  وعلمها به

أما حديث المدانة  عما كانت تعانيه  من الجوع والحرمان وظروف عيشتها مع زوج والدتها  وعدم صرف أبيها عليها بعد طلاق  والتها  فلم يسبق  أن حققت  في المحكمة وأكدته  وهي ليست  ظروف ملجئة  للرذيلة

والله ولي التوفيق

القاضي : عبد الرحمن محمد عبد الرحمن شرفي

التاريخ : 27/8/1992م

أوافق على ما ذكره  مولانا الأخ العالم علي يوسف الولي  وقد تضمنت مذكرته كل ما ارتأيناه  وتداولنا  فيها خلال المداولة  ومن ثم  لا أجد  ما يدعو للإضافة حتى لا تكون تكراراً من غير ففائدة – فقط أضيف  أمراً أثار منا الدهشة وهو ما ذكره قاضي الموضوع بشأن الإحصان   ذلك أن نص المادة 146/3 من القانون الجنائي لسنة 91م صريح في الدلالة على أن ( قيام الزوجية الصحيحة )  شرط لصحة الإحصان , وهو بالفعل  مأخوذ من مذهب  الإمامية ( الجعفرية ) وهو اختيار الشيخ رشيد رضا والشيخ محمد عبده  , وأعجب فيما أهدره قاضي الموضوع  من جهد ووقت في موضع نص قانوني صريح , مستمد من الفقه الإسلامي  وقائم على أدلة , ولا يسوغ في مثله الاجتهاد للقاضي

 

 

 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: غير مسموح