قانون الإجراءات الجنائية

جوهر قانون الإجراءات الجنائية كما كنت أقول و لا زلت أنه (منو يعمل شنو متين وكيف؟) يعنى هو فانون توزيع اختصاص بالدعوى الجنائية في مراحلها المختلفة، في مرحلة جمع الاستدلالات (التحري) ومرحلة المحاكمة، ثم مرحلة الاستئناف وأخيرا مرحلة النقض وتأتى بعدها خاتمة المطاف وهى استثنائية (المراجعة).

تفتح الدعوى بما يسمى بالبلاغ (أي إخطار الشرطة أو النيابة بادعاء بأن واقعة معينة تشكل جريمة وقعت، الأمر الذى يبادر معه بتقصي الواقعة التي قد تثبت قيام جريمة وإسنادها الى فاعل معين والأدلة أو الدلالات التي تصمه بتلك الجريمة. ثم تأتى المحاكمة لتسمع المحكمة هذه الأدلة أو الدلالات التي جمعتها الشرطة والنيابة ، وتقييمها لتحدد ما إذا ان تكفى لإسناد الجريمة للمتهم بها، فإن وجدت الصلة بين الوقائع المدعى بها والمتهم فيها(وهو ما يسمى فقها بعنصر الإسناد) تقضى بالإدانة، لتقرر وفق القانون الجنائي العقوبة المناسبة للمدان ردعا خاصا له حتى لا يعود لارتكاب الجريمة، وعاما حتى يتعظ غيره به فيبعد عن ارتكاب الجريمة. فإن لم يرضى المدان أو المجنى عليه أو النيابة العامة فلكل دفع الملف الى المرحلة الثانية (درجة الاستئناف) ومحكمة الاستئناف تراجع البينات وتقدر كفايتها للإدانة فتؤيدها أو ترى خلاف ذلك فتلغيها. وليصبح الحكم نهائيا بمعنى أنه نظرت فيه الوقائع وقيمت البينات أمام محكمتي الوقائع الابتدائية والاستئنافية تأتى مرحلة مطابقة أو مقايسة صحة تطبيق القانون وهذه سلطة المحكمة العليا في مرحلة الطعن بالنقض والذى لا يقوم على صحة أو ثبوت الوقائع من عدمه لأن هذا أمر تقرر وعلى مرحلتين، إنما على صحة تطبيق القانون، هل طبقت المحكمة في أول وثاني درجة القانون تطبيقا صحيحا؟ إن كان ترفض الطعن وإن نعم تلغى الحكم سواء لإعادة النظر فيه من حيث القانون أو نهائيا وبالتالي تخلى سبيل المتهم ونهائيا. أما مرحلة المراجعة فهي طريق استثنائي للتحقق فقط من أن الحكم صدر وفقا للقانون وأحكام الشريعة الاسلامية أو وفقا لهما معا، ومعلوم أن مخالفة القانون الصادر مستوحا من أحكام الشريعة الاسلامية يعتبر مخالفا للشريعة الاسلامية.

هذه مراحل نمو وعمر الدعوى الجنائية أسهم كل باختصاصه والقيام بما كفله له القانون حتى وصلت الى نهايتها وغايتها بتحقيق العدالة بإنصاف المجنى عليه .ومعاقبة الجاني.

لذلك إن باشر غير المختص بما لم يختص به يكون خرج عن سلطته لأنه لا سلطة بلا إختصاص، وعشان تقول باختصاص أو بدون لازم تعرف إختصاص كل، لتحدد منو يعمل شنو؟ وكيف وفقا للإجراءات التى نص عليها القانون.

يعنى إذا تبين أن فلان مشتبه أنه من ارتكب الواقعة وأن مرحلة جمع الاستدلالات تقتضى أن يكون بعيدا حتى لا يعبث بالأدلة أو دلالاتها، تختص النيابة بحبسه لثلاثة أيام ، وما زاد عنها لقاضى الجنايات، فإن حبسه وكيل النيابة لأسبوع مثلا يكون حبسا إير مشروع لأنه لا اختصاص له في ذلك ولأنه لا سلطة بلا إختصاص فيكون أخطأ في تطبيق القانون، وقس على ذلك بقية السلطات، طيب ما رضيت الحكم حأمشى لمحكمة الاستئناف في أي وقت لا خلال مدة حددها القانون وإلا ترفض السلطة الاستئنافية الاستئناف شكلا ولا تدخل في موضوعه ليع؟ لأن القانون ألزمها ما تقبل استئناف كاستئناف ووفقا للقاعدة العامة إلا إذا قدم خلال القيد الزمنى. طيب قبلته لأنه وفقا للمدة المحددة تعمل فيه شنو؟ إما أن تلغى الحكم أو تأييده أو تؤيد الإدانة وتتدخل في شأن العقوبة بتخفيضها. وضح منو يعمل شنو وكيف؟

دي النظرية العامة نشوف  التفاصيل والتطبيق فيما يلى.

التفتيش الاختصاص به(لمنو) وكيفية تنفيذه(يتعمل كيف؟) وما يترتب على التفتيش – وقضاء أول درجة وثاني درجة وسلطة كل (مع ملاحظة القانون المطبق والنصوص المقابلة في القانون الساري وتطبيق ذات المبدأ مع تعديل النصوص .

حكومة السودان ضد محمد على أحمد

محكمة استئناف الخرطوم

القضاة:

السيد/ محي الدين سيد الطاهر       قاضي محكمة الاستئناف          رئيساً

السيد/ عبد الله أحمد عبد الله         قاضي محكمة الاستئناف          عضواً

السيد/ حيدر مصطفى               قاضي محكمة الاستئناف          عضواً

حكومة السودان ضد محمد على أحمد

م أ/أ س ج/234/1989

·   إجراءات جنائية: التفتيش –بناء على أمر من وكيل النيابة –صحة الإجراءات ولو قبل فتح بلاغ

·   إثبات الشهادة –أقوال رجال الشرطة-جواز قبولها-ردها في حالة عدم الاطمئنان عليها

1/ تعتبر إجراءات التفتيش صحيحة متى تمت بناء على أمر صادر من وكيل النيابة حتى لو لم يسبق الإجراءات فتح بلاغ ضد المتهم

2/ الأقوال التي يدلي بها رجال الشرطة تكون مقبولة في الإثبات مثل غيرها من أقولاً  لا شهود العاديين متى توافرت فيها شروط  صحة الشهادة وكانت خلواً من عيب يحول دون قبولها أو عدم تصديقها

المحامون : الأستاذ/ شرف الدين محمد موسى

الحـكــــم

القاضي: محي الدين سيد طاهر:

التاريخ 2/9/1989م

حوكم السجين المستأنف في 26/6/1989م بالسجن لمدة عام وبغرامة قدرها خمسمائة جنيهاً وبالعدم السجن لمدة ستة أشهر أخرى على أن تسرى عقوبتا السجن بالتتابع لمخالفته المادة (4) من قانون الحشيش والأفيون حيث تمكنت الشرطة العثور على كمية من الحشيش بمنزله عند مداهمتهم له أثر معلومات عن  تعامله في تجارة المخدرات المعينة

وقد أيد قاضي المديرية المختص كلاً من الإدانة والعقوبة ومن ثم كان الطلب الذي يرفعه محامي السجين والذي تتلخص أسبابه في:

1/ إن الغرفة التي عثر بها على الحشيش يشغلها آخرون خلاف السجين مما يجعل من العسير نسبة الحشيش إليه وحده دون سواه

2/ أن أمر تفتيش منزل السجين قد صدر قبل فتح البلاغ مما  يعد مخالفاً لقانون الذي يستوجب أن يكون التفتيش لاحقاً على فتح البلاغ

3/ إن الإدانة قامت على أقوال الشرطة وهو خصوم وليسوا شهوداً وأشار في ذلك إلي سابقة:

حكومة السودان ضد حسن عبد اللطيف المجلة 1986 ص210

4/ إن تكليف السجين بأداء اليمين قبل استجوابه بواسطة المحكمة  وأداءه لهذه اليمين مذكراً الحيازة يعني  إنهاء النزاع وشطب البلاغ على  أساس “أن البينة على من أدعى اليمين على من أنكر

5/إن المحكمة قد اعتمدت في إدانتها للسجين على أقوال رجال الشرطة وهو خصوم وليسوا  شهوداً  كما أكدت هذا المعني سابقة: حكومة: السودان ضد حسين عبد اللطيف المجلة 1986 ص 210

6/ إن إجراءات التفتيش وقعت مخالفة للمواد 70/73/74   إجراءات  جنائية حيث لم يسبق للتفتيش فتح بلاغ وإجراء تحري فيه كما يسمح للسجين بإحضاره شهود كما منع السجين من حضور هذا الإجراءات بوصفه شاغل المكان الذي يراد تفتيشه

7/ أداء السجين اليمين  قبل استجوابه وإنكاره للاتهام بحيازة الحشيش قد أنهى النزاع وكان يجب شطب البلاغ استناداً إلي قاعدة (البينة على من  أدعى واليمين على من أنكر)

8/ أن قول قاضي المديرية بإمكانية الاستناد إلي البينة المتحصل عليها عن طريق غير مشروع ركوناً إلي حكم المادة (11) من قانون الإثبات لم يكن سليماً لأن هذه المادة قد نسختها المادة (12) من نفس القانون التي تذهب إلي عدم قبول مثل تلك البينة من ما كان في ذلك انتهاك لمبادئ الشريعة الإسلامية والعدالة والنظام العام ولقد جاءت سابقة حكومة السودان ضد سعيد حمد مصطفى مؤكدة هذا الاتجاه(13) وبداية فإن استجواب المتهم السجين لم يتم بالشكل القانوني بسبب استناده خطأ إلي المادة  (200) من قانون الإجراءات الجنائية وهذا خطأ إجرائي محض لأن جوهر الخطأ في نسبة الاستجواب إلي المادة (200) وعله فإنه  لا يشكل توجيهاً لليمين يترتب معرض توضيح الحقائق أما المأخذ الأخرى التي يعني بها السجين إجراءات محاكمته شكلاً وموضوعاً فيمكن تلخيصها في مخالفة الإجراءات القانونية للتفتيش من وقوع التفتيش قبل فتح البلاغ وفي غياب الشاهدين وإن الإدانة قامت على أقوال رجال الشرطة بينما لا يعد هؤلاء في عين القانون شهوداً بل خصوماً إضافة إلي أن الاستناد إلي البينة القائمة على هذه الإجراءات الباطلة لم يكن سليماً و أخيراً فإن السجين لم يكون  يحوز الحشيش موضوع المحاكمة إذ أنه ليس الوحيد الذي يشغل المكان الذي وجد به الحشيش وتضاربت تفسيراته مرة يدعي أنه قد  أتى به من  الجزء الآخر  من المنزل ومرة من الديوان الذي يشغله جده وكذلك الحال بالنسبة  لشاغلي المنزل من أقربائه  حيث يضيف كلما منحت له الفرصة واقعة جديدة حيث ادعى وعبر مذكرة استئنافه أن هناك ضيوفاً كانوا يقيمون بالغرفة التي وجد بها الحشيش هي غرفة السجين وهي التي أشار إليها في استجوابه بأنها الغرفة المواجهة للمكان الذي كان يقف فيه لذلك فإن حيازة السجين للحشيش مؤكدة

أما عن إجراءات التفتيش فإن الحقيقة الثانية هي أن التفتيش قد  تم  بناء على أمر سابق صادر عن وكيل النيابة ولم يقع كما يقول محامي المستأنف دون أن يكون هناك أمر ولقد ميزت السوابق القضائية في هذا الشأن بين الحالتين ولم تر في سبق فتح البلاغ شرطاً لصحة التفتيش طالما كان هناك أمر تفتيش صادر بالصورة القانونية كما أ تنفيذ الأمر قد جرى بصورة قانونية وفي حضور الشاهدين مما لا يدع مجالاً لما يثيره محامي المستأنف من مطاعن حول كيفية إتمام التفتيش وذلك  على الرغم من أن إجراءاه في غياب الشاهدين أو بصورة مخالفة من حيث الشكل لما ينص عله القانون ليس من شأنه إبطال الإجراءات واستبعاد مخالفة من حيث الشكل لما ينص عليه القانون ليس من شأنه إبطال الإجراءات واستبعاد مخالفة من  حيث الشكل لما ينص عليه القانون ليس من شأنه إبطال الإجراءات واستبعاد البينة الناشئة عن التفتيش ولقد استأنست محكمتا الموضوع والمديرية بالسوابق العديدة المستقرة في هذا الخصوص مما يغني عن إثباتها هنا على وجه التفصيل “أنظر في ذلك:

1/ حكومة السودان ضد يحي عوض الكريم المجلة 1978 ص458

2/ حكومة السودان ضد دهب شريق دهب المجلة 1988 ص421

3/ حكومة السودان ضد محمد دياب محمد  على وآخر المجلة 1980 ص 174

وهذا على سبيل الاستطراد والجدل إذ أن التفتيش المعني قد أجرى في حضور شاهدين محايدين استمعت المحكمة إلي أقوالهما ولم تعتره أي عيوب  أخرى شكلية أو موضوعية

وأخيراً فإن حمامي المستأنف ينعى على محكمة الموضوع إقامة حكمها على أقوال رجال الشرطة باعتبار أهم خصوم وليسوا شهوداً مستنداً  في ذلك إلي حكم محكمة الاستئناف في كل من السابقتين:

1/ حكومة السودان ضد حسين عبد اللطيف المجلة 1986 ص210

2/ حكومة السودان ضد سعيد حمد مصطفى النشرة يناير / مارس 1986  ص59

وعلى الرغم من انعدام وجه المقارنة بين ما جاء في هاتين السابقتين وبني وقائع الحالة المعروضة من حيث انعدام الأمر القانون  بالتفتيش في الحالة الأولى إلا أنه من العسير الإدعاء بأن أسباب إلغاء الإدانة كان قائماً على عدم اعتماد أقوال رجال الشرطة بوصفهم خصوماً بقدر ما قام الإلغاء على الاطمئنان إلي أقوالهم بعد أ جروا تفتيشاً غير قانوني لم يصدر به أمر من قاضي مختص ولم يشهده شاهدان محايدان مما ينفي أن يكون حكم محكمة  الاستئناف المشار إليه قصد به إطلاق حكم عام بأن رجال الشرطة الذين يتولون مهمة كشف الجرائم هم خصوم لا يجوز الاستماع إليهم إذ أن من شأن مثل هذا الحكم العام ترتيب نتائج فادحة تؤثر تأثيراً مباشراً على الأمن العام بمعناه الواسع والحق أن رجال الشرطة يعدون من الشهود في إطار الضوابط القانونية التي تحكم الشهادة بالنسبة لأي شخص آخر ولكن أقوالهم كأقوال غيرهم خاضعة للتمحيص والوزن من قبل المحكمة وإلا فإن المجتمع سيقف مكتوف الأيدي حائراً حيال بعض الجرائم ذات الطبيعة الخطرة والتي يتم التعامل فيها ومعها بالسرية والتكتم ولا يقف على كنهها وكشف سترها سوى رجال متدربون  يجمعهم جهاز منظم كالشرطة أم يريد المستأنف أن يناط هذا الأمر أشخاص عاديين يتجسس بعضهم على البعض الآخر ثم بحيلهم مرور الوقت إلي  جهاز منظم يطعن في أعضائه بتمهة الخصومة أو التجسس إنني لا أرى سنداً للقدح في موظف يؤدي مهامه الرسمية المكلف بها من قبل المجتمع باعتباره عضواً في جهاز عام إقامته الدولة بدعوى أه خصم إلا إذا كنا نرمي إلي أن نقيم لأنفسنا “جنة بلهاء” يرتع من حولها المجرمون من كل صنف ويعجز عن قمعهم وملاحقتهم لأن من أنيط بهم تلك المهمة غير مؤهلين لان يستشهد بهم أمام المحاكم

أما الاستناد إلي سابقة حكومة السودان ضد سعيد  حمد مصطفى فقد جاء في غير محله في ظل الوقائع المتوفرة في البلاغ إذا لم يستعن رجال الشرطة بجاسوس أو شاهد كمين أو خلافهما ومع ذلك فإن الاستعانة بمثل هؤلاء أمر يستلزمه تطور أساليب الجريمة ومتطلبات حماية أمن المجتمع وليس في ذلك من حيث المبدأ أية مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية

لكل أرى إذا وافق زميلاي المحترمان تأييد قراري محكمة الموضوع والمديرية إدانة وأن يكون قرارنا هو عدم التدخل فيهما

القاضي: عبد الله أحمد عبد الله

التاريخ: 3/9/1989

أوافق على ما جاء بمذكرة الأخ القاضي محي الدين الضافية

القاضي : حيدر مصطفى حمد

التاريخ 5/9/1989

أوافــــق

//  س. ا. ا. وآخرين

م ع/ ط ج/57/2010م

قانون الإجراءات الجنائية لسنة1991م – المادة (95) منه– تقديم المعروضات أمام المحكمة – شروطه – قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1997م – المادة (16) منه – توفر شروطها – ثبوت الحيازة مع عدم ثبوت التقديم أو الاتجار – حكمه.

المبادئ:

1- لا يكفي أن تقدم المعروضات أمام المحكمة والقول بأنها ضبطت بمنزل المتهم بل لا بد من أن تتبع بمحضر التفتيش وفق المنصوص عليه بالمادة (95) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م.

2- إذا ثبتت حيازة المخدرات وانتفى قصد الاتجار أو قصد التقديم إلى الغير ولم تقم البينة على أي منهما فإنه يلزم أن تفسر الحيازة على أنها للتعاطي ولا يوجد احتمال غير ذلك.

3- إذا تم القبض على المتهم قبل اكتمال دورة تقديم المخدرات إلى الغير فلا يمكن إدانته تحت المادة (16) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1994م إذ لا تكفـي مجرد البينة للتقديم بل لا بد من التقديم حقيقة ، ولم يرد بالمادة الحيازة بقصد التقديم للغير كعنصر من عناصر الجريمة.

المحامون:

الأستاذ/ بابكر الفضل الشريف                              عن الطاعن

الحكــم

القاضي: سلمان عثمان يوسف

التاريخ: 17/3/2010م

بتاريخ 22/2/2010م تقدم إلينا بهذا الطلب الأستاذ/ بابكر الفضل الشريف المحامي نيابة عن الطاعن س. ا. ا. ح. يلتمس فيه الطعن في حكم محكمة استئناف ولاية البحر الأحمر رقم أ س ج/35/2010م الصادر في 2/2/2010م وقضى بشطب الطلب شكلاً بحجة أن المدان الثاني سبق أن تقدم بطلب أمام محكمة الاستئناف لفحص الحكم وأنها أصدرت حكمها بتأييد الإدانة والعقوبة على المدان الأول وهو الطاعن الآن وعلى المدان الثاني وتخفيف الغرامة في مواجهة الأخير وبما أنه قد سبق فحص المحضر بأكمله يصبح من المتعين شطب الطلب شكلاً لسبق الفصل فيه.

وجاء في أسباب الطلب أمامنا الآن أن الإدانة في مواجهة موكله لم تكن صحيحة تحت المادة (16) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لأن هذه المادة تتطلب تقديم المخدرات للمصدر أو أي شخص بمقابل أو بدونه ولم يثبت الاتهام أن موكله أعطى مصدر الشرطة المخدرات وهو المتهم الثاني الذي أنكر أن يكون المتهم الأول قد باع له المخدرات . كما أن المتهم الأول برر وجود مبلغ الكمين بحيازته بأنه ثمن سعر خاتم فضه اشتراه منه المتهم الثاني وقد أكد الأخير ذلك . وجاء أيضاً من ضمن الأسباب أن العقوبة التي قررتها المحكمة على المدان الأول لم تكن صحيحة حيث إنه يبلغ من العمر سبعين سنة وقد أغفلت المحكمة التدابير الأخرى المنصوص عليها بالمادة (48) من القانون الجنائي الخاصة بالشيوخ ومن ضمنها تسليمه لذويه مع العلم بأن هذا المتهم مريض نفسياً ويتلقى العلاج بمستشفي بور تسودان للأمراض النفسية وله أسرة مكونة من زوجته وعدد من البنات والأولاد . ويلتمس في خاتمة المطاف إلغاء قرار الإبعاد وتطبيق نص المادة (48) بتسليمه لذويه احتياطياً ومن ناحية أصلية يطالب بإلغاء الإدانة.

ومن قبل ذلك وبتاريخ 16/2/2010م تقدم المدان الثاني م. أ. ب. بطلب يلتمس فيه تخفيف العقوبة في مواجهته لظروفه الأسرية التي تتمثل في أعالته لوالدته كبيرة السن المريضة المقعدة وهي في حاجة إلى العلاج الدوري بالخرطوم إضافة إلى أعالته لبنات أخته المتوفاة وهن طالبات بالمرحلة الثانوية.

الطاعن الأول تسلم محاميه حكم محكمة الاستئناف المطعون فيه بتاريخ 16/2/2010م وتقدم بطلبه أمامنا في 22/2/2010م خلال القيد الزمني المنصوص عليه قانوناً وعليه أرى أن يقبل من حيث الشكل . أما الطلب الثاني فإنه يمكن التعامل معه كطلب فحص للإجراءات بغرض الوقوف على سلامتها لتحقيق العدالة وفقاً لنص المادة (188) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م.

واتضح بعد المراجعة لمحضر الإجراءات أن محكمة بور تسودان الجنائية الأولى أصدرت حكمها رقم غ إ /91/2009م بتاريخ 31/12/2009م بإدانة المتهم الأول س. ا. ا. ح. تحت المادة 16(1)(أ) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1994م وعاقبته بالتغريب لمدة عشر سنوات إلى مدينة بربر مع مخاطبة مدير شرطتها لتنفيذ هذه العقوبة . أما المتهم الثاني م. أ. فقد تمت إدانته تحت المادة 20(1)(أ) من ذات القانون ومعاقبته بالسجن لمدة ثلاثة اشهر ابتداءً من 31/12/2009م وبالغرامة مبلغ خمسة ألف جنيه وفي حالة عدم تسديدها يسجن لمدة شهرين . وأمرت المحكمة بإبادة المعروضات ورد مبلغ ثلاثين جنيهاً إلى الشاكي وهي معروضات الكمين.

وكانت الوقائع قد تلخصت في أن المتهمين وصلت معلومات بشأنهما تقول بقيامهما بالترويج للمخدرات فاعتمدت النيابة مبلغ ثلاثين جنيهاً لإجراء كمين وبالفعل تمت المبايعة حيث قام المتهم الأول س. ا. ببيع فندول بنقو إلى المتهم الثاني الذي كان يلعب دور الوسيط وقد قام ببيعه إلى الشاكي وأنه تم القبض على المتهم الأول وعثر بحيازته على مبلغ عشرين جنيهاً مرقمة وهي جزء من مبلغ الكمين كما تم القبض على المتهم الثاني وبحيازته مبلغ عشرة جنيه هي الجزء الثاني من مبلغ الكمين . وبتفتيش منزل المتهم الأول تم العثور على ربعي فندول بنقو . أما الواقعة التي أسندت إلى المتهم الثاني فهي قيامه بتسليم المتهم الأول مبلغ الكمين وتسلمه للبنقو منه بغرض تقديمه للغير في غير الحالات المسموح بها.

محكمة الاستئناف بولاية البحر الأحمر بموجب حكمها رقم أ س ج /12/2010م الصادر في 31/1/2010م أيدت الإدانة والعقوبة في مواجهة المتهم الأول كما أيدت الإدانة وعقوبة السجن في مواجهة المتهم الثاني وخفضت عقوبة الغرامة لتصبح مبلغ ألف جنيه وفي حالة عدم تسديدها يسجن لمدة شهرين تسري بالتتابع مـع عقوبة السجن الأصلية وأيدت بقية الأوامر الصادرة.

بالاطلاع على البينات التي قدمت في مواجهة المتهم الأول أجدها تتمثل في أقوال شاهد الاتهام الأول محمد الحافظ وهو من رجال شرطة مكافحة المخدرات وجاء بها أنه أجرى تفتيشاً شخصياً على هذا المتهم وأخرج من جيبه مبلغ ستة وأربعين جنيهاً منها عشرون جنيهاً مرقمة وهي من مبلغ الكمين ويقول أيضاً أنه أجرى تفتيشاً لمنزل هذا المتهم وتم العثور على 2 ربع بنقو بالقرب من الدولاب بالغرفة في كيسين ويقول إن التفتيش جرى بحضور المتهم وتيم المكافحة وشهود آخرين وذكر أن التفتيش تم إجراؤه دون الحصول على أمر بذلك من النيابة . وجاء بأقواله أيضاً أنه لم يشاهد المتهم الثاني وهو يدخل منزل المتهم الأول كما أنه لم يشاهد عملية تسليم وتسلم بين المتهمين الأول والثاني.

أما شاهد الاتهام الثاني ص. أ. م. وهو أيضاً من رجال شرطة مكافحة المخدرات جاء في أقواله أنه اشترك في إجراء التفتيش على منزل المتهم الأول بحضوره وحضور شهود آخرين من غير الشرطة وإنهم عثروا على 2 ربع بنقو في علبة سجائر وجدوها داخل الفضية بأحد الغرف بالمنزل وذكر أن التفتيش جرى دون الحصول على إذن به من النيابة كما أنه لم يشاهد واقعة التسليم والتسلم بين المتهمين الأول والثاني.

أما الشهود من غير الشرطة فقد استمعت المحكمة لأقوال الشاهد محمد الخير احمد الحاج علي وذكر أنه دخل مع تيم المكافحة منزل المتهم الأول وأن الشرطة عثرت بداخل أحد الغرف على علبة سجائر بها لفافتان ذكروا له أنها بنقو وأضاف أنه لم يشاهد البنقو قبل ذلك في حياته وأكد أن هذه العلبة وجدوها داخل الدولاب وأكد أن الشرطي عندما قام بأجراء التفتيش كان خالي اليدين وأنه استخرج العلبة من الدولاب . وعندما عرض عليه البنقو المعروضات أمام المحكمة ذكر هذا الشاهد أن ما عرض عليه أمام المحكمة ليس هو ما عرض عليه عند إجراء التفتيش وأن هناك اختلافاً بينهما حيث إن الذي عرض عليه من قبل (تفل) كالسجائر وليس فيه بذور وهو داخل علبة السجائر.

واستمعت المحكمة إلى أقوال شاهد الاتهام معاوية أحمد حسن وقد جاء في أقواله أنه حضر التفتيش الذي أجري على منزل المتهم الأول وأنه تم داخل غرفة وأن الشرطة فتشت أدراج الفضية وعثرت على علبة سجائر داخل جزمة وأنه رآها عندما أخرجوها منها ثم رجع الشاهد عن أقواله هذه وذكر أنه لا يستطيع الجزم بأن أفراد الشرطة اخرجوا المعروضات من الفضية ثم رجع وقال أن الشرطة أجرت التفتيش ووجدت البنقو وأنه تم استخراجه من الفضية ثم عاد مرة أخرى وقال (ما شفت التفتيش كويس ) لأن رجال الشرطة كانوا أمامه أي بمعنى أنهم يحجبونه عن الرؤية بصورة واضحة ثم رجع مرة أخرى وذكر أنه رأى الشرطي وهو يستخرج العلبة من الفضية. وعندما عرضوا عليه معروضات البنقو أمام المحكمة ذكر أنها تشبه التي رآها عند إجراء التفتيش.

باستجواب المتهم الأول أمام المحكمة ذكر أن أفراد الشرطة أجروا عليه تفتيشاً شخصياً وعثروا في جيبه على مبلغ ستة وستين جنيهاً سألوه عن مصدرها وذكر لهم أنها ثمن خواتم باعها ابنه بالمحل وذكر أنه يعرف المتهم الثاني محمود بسبب غنائه لهم في حفلة وهو فنان كما أنه زبون للمحل ويشتري منهم الخواتم وذكر أنه باع إليه خاتما بمبلغ ثمانية وعشرين جنيهاً تسلم منها عشرين جنيهاً وفي نفس اليوم عاد وأعطاه الباقي وهو ثمانية جنيهاً ثم قال إن رجال الشرطة أخذوا عشرين جنيهاً بدعوى أنها تخص الكمين وأنه ذهب معهم بعد ذلك إلى منزله لإجراء التفتيش وذكروا له أنهم وجدوا فيه بنقو ولكنهم لم يعرضوه عليه وأنكر أن يكون البنقو يخصه كما أنكر تعاطيه المخدرات أو المتاجرة فيها.

وقبل ذلك استمعت المحكمة إلى أقوال الشاكي ضياء الدين محمد الحسن دون أن تحلفه اليمين وهو من رجال شرطة مكافحة المخدرات وجاء في أقواله أنه لم يدخل مع المتهم الثاني منزل المتهم الأول ولا يعلم أي المنازل دخلها كما أنه لم يحضر مبايعة أو تسليماً وتسلماً بين المتهم الأول والثاني وذكر أيضاً أن المتهم الثاني لم يسلمه معروضات وما حصل أن أحضر إليه مخدرات . هذا ملخص للبينات في مواجهة المتهم وبتأملها لا أجد فيها ما يقود إلى إدانته تحت المادة (16) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1994م التي من أهم عناصرها أن يقدم الجاني إلى غيره أي أنواع من المخدرات والمؤثرات العقلية أو يسهل له الحصول عليها في غير الحالات المسموح بها أو يرخص له في حيازتها لأغراض معينة ويتصرف فيها بالمخالفة لشروط الترخيص أو يعد منزلاً أو مكاناً آخر أو يديره لتعاطي أي من أنواع المخدرات أو المؤثرات العقلية ولا تشير البينة المقدمة في مواجهته إلى أنه فعل شيئاً من هذه العناصر الواردة بالمادة وحتى الشاكي الذي تسبب في تحريك هذه الإجراءات في مواجهة المتهم جاء بأقواله أنه لم يشاهد أي مبايعة أو تسليماً وتسلماً بين هذا المتهم والمتهم الثاني بل ولا علم له بما إذا كان المتهم الثاني دخل منزل المتهم الأول أم لا وينفي كذلك أن يكون المتهم الثاني أحضر إليه مخدرات أو أنه سلمه المعروضات التي أمام المحكمة . ونجد أيضاً أن كل الشهود الذين استمعت إليهم المحكمة يؤكدون عدم رؤيتهم لهذا المتهم وهو يبيع البنقو إلى المتهم الثاني ويؤكدون عدم مشاهدتهم لأي واقعة تسليم وتسلم بين المتهمين . ولم يبق إلا واقعة العثور في جيب هذا المتهم على مبلغ من المال عثروا فيه على مبلغ عشرين جنيهاً وكانت مرقمة كجزء من مبلغ الكمين الذي تسلمه المتهم الثاني وحتى هذا المبلغ فسر المتهم وجوده عنده كجزء من ثمن خاتم باعه إلى المتهم الثاني بمبلغ ثمانية وعشرين جنيهاً وذكر أنه تسلم الثمن على دفعتين الأولى مبلغ عشرين جنيهاً والثانية مبلغ ثمانية جنيهات وهو تفسير معقول جداً يناسب مهنته التي يؤديها كصائغ بالسوق . وليس هناك ما يؤكد انتقال هذا المبلغ المرقم إلى هذا المتهم كقيمة للمخدرات علماً بأن الشهود لا يقولون برؤيتهم لهذا المتهم وهو يتسلم النقود من المتهم الثاني ويسلمه البنقو المعروضات وجاءت أقوالهم واضحة في نفي مشاهدتهم للمبايعة أو التسليم والتسلم مما يعني أن إجراءات الكمين لم تتم بصورة صحيحة ولم تكتمل دائرتها ومما يرجح أن هذا المبلغ انتقل إلى المتهم الأول كقيمة للخاتم ما جاء بأقوال المتهم الثاني الذي يقر بشرائه لهذا الخاتم منه ودفعه للثمن إليه . وعليه فإن هذا المبلغ قد يكون السبب في انتقاله إلى المتهم الأول كقيمة للمخدرات أو كقيمة لأي سلعة أخرى تتعلق بمهنته كصائغ وإذا كان الشك قائماً في سبب ايلولته إليه يتعين تفسير هذا الشك لمصلحته ولا يصلح أن تؤسس عليه إدانة تحت المادة (16) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية والغريب في الأمر أن محكمة الموضوع وهي تقرر إدانته تحت هذه المادة لم يرد في حيثياتها ما يفيد إسناد الجريمة إليه وكل الذي عولت عليه هو أن حيازة المتهم للمخدرات تحتمل عدة مقاصد وأن التعدد فيها يفسر لمصلحته بما يبرر النزول بالجريمة إلى درجة أقل ولذلك رأت المحكمة النزول بالجريمة من درجة الاتجار في المخدرات إلى درجة تقديمها للغير ولم تشر المحكمة إلى أي بينة تقول بتقديمه المخدرات إلى الغير وكان على المحكمة أن تواصل نهجها وتنزل بالجريمة إلى جريمة الحيازة بقصد التعاطي حيث أنه إذا انتفى قصد الاتجار أو قصد التقديم للغير ولم تقم بينة على أي منهما فإنه إذا ثبتت الحيازة يلزم تفسير قصد المتهم بأنه إنما حائزها بقصد التعاطي ولا يوجد احتمال غير ذلك . ولكن محكمة الموضوع هدمت وأهدرت النهج الذي سارت عليه ووقفت في محطة الحيازة بقصد التقديم للغير دون أن يلوح لها الدليل على ذلك ناهيك عن تحققه.

نأتي بعد ذلك إلى موضوع ثبوت حيازة المتهم الأول للمخدرات وباستعراض البينة في مواجهته نجده ثابتاً على إنكاره التام لهذه الحيازة ويقول بعدم تعاطيه لها ويقول بأن البنقو المدعى عثوره بمنزله لم يعرض عليه ولا يخصه وحتى الشاكي الذي حرك الإجراءات ذكر بأنه لم يحضر إجراءات تفتيش منزل هذا المتهم . أما أقوال الشهود الذين سمعت أقوالهم في هذا الشأن أجد أنها قد تضاربت واختلفت ومع أن كلاً من الشاهد محمد الحافظ أحمد وصلاح أحمد محمد وهما من رجال شرطة المكافحة الذين حضروا إجراءات تفتيش منزل المتهم إلاّ أن أقوالهم جاءت متناقضة فيما يختص بمكان العثور على المخدرات حيث أنهما يتفقان في وجودها داخل أحد غرف المنزل ولكن الشاهد محمد الحافظ يقول بالعثور عليها بالقرب من الدولاب وهذا يعني أنه عثر عليها خارج الدولاب ولكن بالقرب منه مع أن الشاهد صلاح أحمد يقول بالعثور عليها داخل الدولاب ولا أجد مبرراً لاختلافهما في هذه المسألة مع أنهما حضرا خصيصاً لإجراء التفتيش وأنه تم على يديهما في لحظة واحدة مما يجعلني في شك من المعلومة التي أدلى بها كل منهما . ثم إن الشاهد محمد الحافظ يقول بوجود المخدرات في كيسين مع أن الشاهد صلاح يقول بوجودها في علبه سجائر ولا يوجد بأقوالهما توضيحاً لهذا الأمر وقد يعود ذلك إلى تقصير المحكمة في التحقيق مع الشهود بصورة دقيقة . أما فيما يختص بالشاهدين الآخرين من غير رجال الشرطة وهما قد حضرا إجراءات التفتيش فقد اتضح أن الشاهد محمد خير أحمد يقول بأنه لا يعرف البنقو ولم يشاهده في حياته وأن الشرطة أخبرته بأن الشيء الذي تم العثور عليه هو بنقو وأكد في شهادته أمام المحكمة أن ما عرض عليه أمامها ليس هو ما عرض عليه أثناء إجراءات التفتيش وأنهما مختلفان تماماً . أما الشاهد الثاني معاوية أحمد حسن فقد جاءت أقواله أمام المحكمة متضاربة إلى أبعد حد حيث ذكر أولاً أن البنقو تم العثور عليه داخل الدولاب ثم ذكر أنه لا يستطيع الجزم بذلك ثم عاد وأكد أنه تم العثور عليه داخل الدولاب ثم ذكر أنه لم يشاهد التفتيش بصورة وأضحة لأن رجال الشرطة كانوا أمامه ويحجبون عنه الرؤية ثم عاد مرة أخرى ليقول بتأكده من العثور على البنقو داخل الدولاب وهكذا ظل متأرجحاً بين النفي والإثبات وعدم التأكد وفي تقديري أن أقوال هذا الشاهد يتعين استبعادها تماماً إذ لا يمكن تصديقها أو الركون إليها في ظل تردده نفياً وإثباتاً في كل مرة ولا ندري أي رواياته نصدق ؟ ومن ثم فإنها لا تصلح للإثبات . كما أن شهادة محمد خير فإنها تلقي ظلالاً من الشك حول البنقو الذي عرض عليه أمام المحكمة وما إذا كان هو نفسه الذي عرض عليه أثناء إجراءات التفتيش خاصة وأنه يقول أنه لا يعرف البنقو وأن ما عرض عليه أولاً يختلف عما عرض عليه أمام المحكمة وهذا يعني وجود شك في كنه وحقيقة المادة التي عرضت عليه أثناء التفتيش وهو شك يفسر لمصلحة المتهم . ويضاف إلى ذلك أن الشرطة عندما قامت بمداهمة منزل المتهم لإجراء التفتيش عليه لم يكن ذلك بناءً على إذن تم الحصول عليه من الجهة المختصة بل هو من قبيل التطاول على المساكن وحرمتها ويعني ذلك أن التفتيش لم يتم بصورة صحيحة وفقاً للإجراءات المنصوص عليها بقانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م التي تشترط أن يكون التفتيش على الأمكنة مكتوباً متضمناً بيان الغرض منه والمكان المراد تفتيشه وأن يكون موقعاً عليه من وكيل النيابة أو القاضي بحسب الحال وأن يكون مختوماً وذلك وفقاً لنص المادة (87) من القانون كما يلزم أن تتبع ضوابط التفتيش المنصوص عليها بالمادة (95) من ذات القانون ومن بينها إثبات الإجراء في محضر يحرر فيه أي شيء تم العثور عليه متعلقاً بالجريمة وأن يعرض ذلك على المتهم أو المشتبه به ويطلب منه إبداء ملاحظاته بل ويوقع عليه المتهم أو يذكر أنه امتنع عن ذلك . وبتنزيل هذه الضوابط على الدعوى المطروحة الآن نجد أن الشرطة لم تقدم محضراً بما نتج عنه التفتيش مما يؤكد دفع المتهم بأن الشرطة لم تعرض عليه البنقو المدعى العثور عليه بمنزله . ولا يكفي أن تقدم المعروضات أمام المحكمة والقول بأنها ضبطت بمنزل المتهم بل لا بد أن تتبع بالمحضر المشار إليه وتقوم المحكمة بمقارنة تلك المعروضات مع المدون بالمحضر وما لم يتم ذلك بهذه الصورة فإن من شأنه أن يفتح الباب واسعاً أمام تقديم أي شيء أمام المحكمة بدعوى العثور عليه بحيازة المتهم وفي ذلك خرق واضح لقواعد العدالة.

وعلى ذلك أرى أن البينة المقدمة في مواجهة هذا المتهم لا تقود إلى إدانته بجريمة تقديم المخدرات ولا إلى إدانته بجريمة حيازتها بغرض تعاطيها والأمر كذلك فإنه من المتعين إلغاء الإدانة والعقوبة في مواجهته وإخلاء سبيله نهائياً ما لم يكن مطلوباً في إجراءات أخرى.

وفيما يختص بالمتهم الثاني م. أ. م. فإن البينة في مواجهته تتلخص فيما أدلى به شاهد الاتهام محمد الحافظ أحمد الذي ذكر أنه بإجراء التفتيش الشخصي على هذا المتهم تم العثور على البنقو في جيبه كما تم العثور على مبلغ عشرة جنيهات مرقمة وهي من مبلغ الكمين الذي سلم إليه بغرض إحضار البنقو ونجد أن المتهم نفسه يقر بذلك عند تدوينه لاعترافه القضائي الذي أدلى به أمام القاضي في مرحلة التحري بتاريخ 1/11/2009م وجاء فيه أنه تسلم مبلغ خمسة وثلاثين جنيهاً لشراء البنقو من المتهم الأول وان المبايعة تمت بالفعل وتسلم البنقو منه ولكنه فعل ذلك بقصد تقديمه إلى المدعو وليد الذي طلب منه ذلك . وقبل أن يقدم البنقو إلى وليد داهمه رجال الشرطة وعثروا على البنقو في حيازته بعد تفتيشه كما عثروا على جزء من مبلغ الكمين . وبالرغم من رجوع المتهم عن هذا الاعتراف أمام المحكمة بدعوى أنه أُكره عليه إلا أنه لم يقدم دليلاً على الإكراه أو على أقل تقدير دليلاً يهز من قناعة المحكمة بصحة ذلك الاعتراف الذي وجد تعضيداً بما أدلى به شاهد الاتهام محمد الحافظ . ومع أن هذا المتهم يقول بأن حيازته للبنقو كانت بقصد تقديمه إلى المدعو وليد وبالرغم من وجود مبلغ الكمين بحيازته إلا أن دورة التقديم إلى الغير لم تكتمل بعد حيث إن أفراد الشرطة لم ينتظروا لحين تقديم المتهم للبنقو إلى المدعو وليد بل تم القبض عليه قبل ذلك ولا يكفي مجرد النية لتقديم المخدرات للغير بل لا بد من حصول التقديم حقيقة خاصة وأن المادة (16) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1994م لا تعتبر الشخص مرتبكاً لهذه الجريمة إلا بعد تقديمه المخدرات إلى غيره ولم يرد فيها الحيازة بقصد التقديم للغير كعنصر من عناصر الجريمة . والحال كذلك لا يمكن إدانه هذا المتهم تحت هذه المادة بدعوى تقديم المخدرات للغير مما يعني انه مرتكب لجريمة الحيازة المجردة للمخدرات وهذا يوقعه تحت طائلة المادة 20(1) من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1994م وتفسير الحيازة بأنها كانت بقصد التعاطي فقط وقد أحسنت محكمة الموضوع صنعاً عندما أدانته بذلك وجاء حكمها صحيحاً موافقاً للقانون . ثم إن المتهم عندما تقدم بطلبه أمامنا الآن لا يقدح في صحة الإدانة وإنما يطالب فقط بإعادة النظر في العقوبة لظروفه الأسرية ونجد أن العقوبة التي أمرت بها محكمة الموضوع وهي السجن لمدة ثلاثة اشهر جاءت ضعيفة جداً قياساً إلى السقف الأعلى لعقوبة السجن الوارد بالمادة (20) وهو خمس سنوات فليهنأ المتهم سعيداً بهذه العقوبة وفيما يختص بعقوبة الغرامة فقد نزلت بها محكمة الاستئناف إلى ألف جنيه فقط ويسجن في حالة عدم تسديدها مدة شهرين وأرى أنها جاءت مناسبة ولا أرى التدخل فيها . وعليه أرى أن نذهب إلى تأييد الإدانة وعقوبة السجن الأصيلة كما أمرت بذلك محكمة الموضوع وتأييد الغرامة والسجن البديل لعدم تسديدها كما أمرت بذلك محكمة الاستئناف وأن يشطب الطلب الذي تقدم به.

ختاماً أرى إذا وافق الزميلان أن يكون حكمنا النهائي على الوجه الآتي:

1- فيما يختص بالمدان س. ا. ا. ح. تلغى الإدانة والعقوبة في مواجهته وتعلن براءته مما نسب إليه ويخلى سبيله نهائياً ما لم يكن مطلوباً في إجراءات أخرى.

2- فيما يختص بالمدان م. أ. م. يشطب الطلب الذي تقدم به.

القاضي: إبراهيم محمد المكي التاريخ: 18/3/2010م أوافق.

القاضي: عبد الرحيم عبد السيد التاريخ: 21/3/2010م أوافق.

الأمر النهائي:

1- فيما يختص بالمدان س. ا. ا. ح. تلغى الإدانة والعقوبة في مواجهته وتعلن براءته مما نسب إليه ويخلى سبيله نهائياً ما لم يكن مطلوباً في إجراءات أخرى.

2- فيما يختص بالمدان م. أ. م. يشطب الطلب الذي تقدم به.

سلمـان عثمان يوسـف

قاضي المحكمة العليا

ورئيس الدائرة

حكومة السودان ضد إبراهيم عيسى أحمد وآخر

محكمة استئناف شرق السودان

القضاة :

سعادة السيد / محمد الحسن شقاق                 قاضي المحكمة العليا       رئيساً

سيادة السيد / يوسف دفع الله محمد               قاضي محكمة الاستئناف    عضواً

سيادة السيد / عبد الرؤوف حسب الله ملاسي     قاضي محكمة الاستئناف   عضواً

حكومة السودان ضد إبراهيم عيسى أحمد وآخر

م أ/أ س ج/65/1981م

المبادئ:

–      إجراءات جنائية – إجراءات التفتيش دون أمر من القاضي – باطلة

إجراءات التفتيش بدون أمر تفتيش صادر من قاض أو محكمة يعتبر باطلاً ولك ما يترتب على ذلك باطل حتى لو أدى التفتيش إلى اكتشاف جريمة

الحكم

20/8/1981م

القاضي : يوسف دفع الله محمد :

هذا استئناف ضد قرار السيد قاضي مديرية كسلا المؤيد لقرار القاضي المقيم كسلا القاضي بإدانة المتهمين تحت المادة 4 من قانون الحشيش ومعاقبتهما بالسجن لمدة ثلاثة أشهر اعتباراً من 6/7/1981م

تتحصل الوقائع بأن منازل المتهمين قد فتشت بموجب أمر تفتيش ولم يوجد بها البنقو موضوع الاتهام وبعدها قام رجال الشرطة بتفتيش مطعم المتهمين بدون أمر تفتيش ووجد عدد خمس ورقات بداخله بنقو زنة الجميع 52 جراماُ

ينعى المستأنف على الحكم المطعون فيه انه جاء مخالفاً للقانون بإجراء التفتيش دون أمر من القاضي كما أن المتهمين لم يعترفا بالتهمة بل اعترفا بوجود البنقو بداخل المطعم ونفيا علمهما به ومضى المحامي المستأنف يقول أن المطعم مكان عام لا يستبعد أن يكون أحد الرواد قد رماه حيث وجد عندما داهم رجال الشرطة المكان الخ

أجيب على ذلك بأن إجراء تفتيش المطعم بدون أمر تفتيش أمر مخالف للقانون ذلك لأن قانون الإجراءات الجنائية في الفصل السادس منه أوجب صدور التفتيش من قاض أو محكمة وحدد شروط تنفيذه ولما كان المحل المذكور تم تفتيشه دون أمر تفتيش فإن كل ما ترتب على التفتيش فهو باطل استأنس في ذلك بما قررته محكمة الاستئناف الخرطوم برئاسة القاضي فؤاد الأمين ( لا تسعفني المراجع لأحدد رقم المجلة القانونية التي تم النشر فيها ) لأنه قد آن الأوان بأن لا يؤخذ بما يقوم به رجال الضبط من تفتيش مخالف للقانون مخالفة صريحة ما لم ير القاضي أن المخالفة لا تجعل التفتيش باطلاً واضرب مثلاُ للتفتيش الذي لا يعتبر باطلاً وهو أن يقوم رجال الضبط والتفتيش بتفتيش مكان معين بموجب أمر تفتيش صحيح للعثور على شيء معين ولكن يوجد شيء آخر مخالف للقانون في ذلك المكان فهنا يعتبر الشيء غير المقصود قد تم ضبطه كما لو صدر به أمر تفتيش صيح لهذا أرى أن التفتيش في هذه القضية باطل لا يترتب عليه أي أثر آخر

ومن الناحية الأخرى حتى لو فرضنا أن التفتيش كان صحيحاً فإن المتهمين لم يعترفا بحيازتهما للحشيش المضبوط في أي مرحلة من مراحل القضية فقد قال قاضي الموضوع بحق في أسباب حكمه ما يلي :

( يقر المتهمان الأول والثاني بوجود البنقو داخل المطعم ولكنهما ينكران أي صلة به ويقران بأنهما مذنبان لأن البنقو وجد بداخل المطعم )

مما تقدم يتضح أنه ليس هناك اعتراف وما جاء على لسانهما لا يصلح أن يكون سبباً للإدانة صحيح أن هناك وقائع تشير إلى الاتهام بالمنسوب وهو المعلومات الأولية لدى رجال الشرطة وثانياً وجود البنقو داخل المطعم ولكنها في رأيي لا تكفي للإدانة إذ كان يجب أن يكون للتفتيش في وقت لا يوجد فيه أحد سوى المتهمين

لهذه الأسباب أرى إلغاء حكم كل من محكمة الجنيات وقاضي المديرية وإعلان براءة المهمين وإطلاق سراحهما فوراً

22/8/1981م

القاضي عبد الرؤوف حسب الله ملاسي :

أجدني موافق لرأي الزميل يوسف دفع الله  ولما يلي :

أولاً :   من أبسط القواعد القانونية أو من أبسط الأصولية المستقرة فقهاً وقانوناً ألا وهي أن من يطلب من الناس أو الأفراد الالتزام بالقانون وحدوده وضوابطه لحماية المجتمع وقيمه ومثله لا بد أن يكون في المقام الأول ملتزماً بحدود القانون أو ضوابطه إذ من غير المعقول أن تخالف القانون أو تحرفه بحجة أننا نريد أن نحمي المجتمع من الخارجين على قوانينه فسيادة القانون لا تتجزأ وإما ن يؤخذ بها ككل أو ترفض ككل أما الإمساك بالعصا من النصف فمعناه الخروج على القانون

ثانياً :   أن أمر التفتيش عندما نص عليه المشرع في قانون الإجراءات الجنائية م73 م74 نص عليه بضوابط وقيود واضحة بل محددة لا مجال للاجتهاد بشأنها وعندما حدد المشرع هذه الضوابط قصد أن تطبق وألا يفتح أي مجال للتحايل عليها بأي صورة لخطورة أمر التفتيش ومساسه الواضح بحريات الأفراد ومن ثم فالمخالفة لأي قيد نص عليه المشرع يجعل أمر التفتيش باطلاً ومخالفاُ للقانون ولا يجب أن نقبل أي بينة أو دليل حتى لو أدى إلى اكتشاف جريمة لأن ما بني على باطل فهو باطل

ثالثاً :   لقد رسخت محكمة الاستئناف في عدد من السوابق مبادئ هامة في ضرورة الالتزام والتقيد بحدود القانون وضوابطه وكيفية تقييم البينة الناتجة عن ذلك التفتيش ومن تلك السوابق محاكمة أبو البشر خميس م أ/أ س ج /160/76 النشرة سنة 77 والسابقة القضائية بابكر محمد ضد حكومة السودان المجلة القضائية 67 ص 15

كما جاءت أيضاً السابقة القضائية م أ/أ س ج/87/79 محددة لمبدأ هام وواضح في ضرورة الالتزام بالقانون وحدوده في التطبيق في م37/79 إجراءات وقررت هذه السابقة صراحة ( مبدأ : أنه ما بني على إجراءٍ باطل يعتبر باطلاً ) وفي هذا تقول محكمة الاستئناف :

( إن التسامح في الالتزام بهذه الضوابط يجعل النصوص القانونية خاوية المعنى والمضمون في وقت  لا يمكن فيه افتراض ذلك على قصد المشرع حتى ولو أن لالتزام بها أدى في بعض الحالات إلا إفلات مجرم لأن ذلك لا يكفي لإقرار مبدأ الخروج عن الشرعية بما من شأنه أن يؤدي إلى عدم ضمان كفله القانون وتباركه العدالة بما يؤدي إلى انتهاك الحريات والحقوق حتى فيما ليس فيه جرم وفي تقديري أنه آن الأوان لإرساء القانون في هذا الصدد فإبطال الإدانة المترتبة على التفتيش المخالف للقانون ( حتى إذا كانت الجريمة ثابتة ) هو الضمان الوحيد للالتزام بالقانون والواجب على أجهزة العدالة وقبل أن تسعى إلى إلزام الآخرين به أن تلتزم به

رابعاً:  في البلاغ المعروض الآن الواضح أن البنقو عثر عليه بقهوة المتهم وقد تم تفتيشها بدون أمر تفتيش وهذه مخالفة واضحة ( م 69/70 و 71 – 71و73) التي توجب إصدار أمر تفتيش بواسطة قاض وبشروط معينة وأمر التفتيش المقدم كان لمنازل المتهمين وليس القهوة وبالتالي فالتفتيش ما دام قد تم مخالفاً للقانون فإن كل ما اكتشف من جرائه يكون مشكوكاً في صحته وبالتالي لا يؤخذ بينة

خامساً:  بفرض أن القهوة مكان عام أي مفتوحة للجمهور لتناول الغذاء و المشروب فهذا لا يجعل منها أمراً مباحاً لتفتيش عن جريمة لأن القانون حدد للتفتيش في أي عقار أو مبنى شروطاً محددة في (م73) يجب الالتزام بها

وعليه أجدني موافق لرأي زميلي يوسف لأننا قد نؤدي إفلات مجرم في سبيل إقرار مبدأ سيادة القانون والالتزام ولكي نحمي المجتمع بالقانون لا بد أن نطبق القانون فالمجتمع لا يحمي الخارجين على القانون بمخالفة القانون ذاته

8/2/1981م

القاضي : محمد محمد الحسن شقاق :

أوافق وانبه قاضي الجنيات إلى أنه من الأوفق أن تحاكم مثل هذه القضايا بطريق غير إيجازي إذ لو أنه فعل ذلك لما اختصر إجابة المتهمين وأقوالهما على الاستجواب ثم عاد وذكر في أسباب الإدانة أن المتهمين قد أقرا بوجود البنقو في المطعم وهذا بالطبع وكما أوضح الزميلان يوسف وملاسي لا يعني أن البنقو كان بحيازة المتهمين

 

 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: غير مسموح