حكم الشرط الواقف

لا يفوت على فطنة القارئ اخطاء الطباعة التي سترد في هذا الحكم، كما أنه  لا يخفى الهدف من نشره  من خطورة السير في الإجراءات وقتل الزمن بلا مبرر دون التمعن في سبب الدعوى ودفوعها الأساسية، وتحديد نطاق الدعوى، من هنا تجيئ أهمية الخبرة والاستفادة من مثل هذا الحكم، وأمثاله مما ينبه له من أخطاء إجرائية وصياغة الأحكام، وإليكم الحكم الذى نرى فائدته تعم المنافسين لنيل شهادة تنظيم القانون كما الممارسين، وأيضا الباحثين القانونيين.

المحكمة العليا

القضاة:

سعادة السيد/  عبد الرحمن عبده      قاضي المحكمة العليا           رئيساً

سعادة السيد/ زكي عبد الرحمن محمد   قاضي المحكمة العليا           عضواً

سعادة السيد/ صلاح محمد الأمين     قاضي المحكمة العليا           عضواً

الأطراف

خديجة العوض وآخرين                                  طاعنون

ضــد

عبد الرحمن أحمد العامدي                               مطعون  ضده

النمرة/ م ع/ط م/532/1989م

المبادئ:

المعاملات المدنية – أراضي- التصرف في الأراضي المملوكة العين للدولة – عدم الحصول على موافقة السلطات المختصة أثره على التصرف

إن الشرط الوارد في عقود الحكر والذي يقضي بعدم التصرف في الأراضي المنوحة بموجبه إلا بعد موافقة السلطات المختصة لا يجعل التصرف باطلا وانما يترتب مسئولية على المستأجر بالحصول عليها ويجعل التصرف معلقاً على شرط الموافقة

المحامون:

الأستاذ عبد المنعم الخضر جكنون                                         عن الطاعنين

الأستاذ أحمد موسى                                                    عن المطعون ضده

الحكم

القاضي: زكي عبد الرحمن

التاريخ: 247/12/1991م

عريضة الطعن هذه تقدم بها الأستاذ عبد المنعم جكنون المحامي  نيابة عن موكليه المدعى عليهم في الدعوى المدنية رقم 439/83 يطعن بها في الحكم الصادر من محكمة الاستئناف الإقليم الأوسط (حالياً الولاية الوسطى) بتاريخ 7/9/1989م (وليس  9/7 الذي صدر فيه الأمر النهائي) في أ س م/26/89 القاضي بإلغاء حكم المحكمة الجزئية واعادة الأوراق لها لإصدار حكم ابتدائي بتعديل سجل القطعة محل النزاع في الدعوى من اسم المدعى عليه إلى اسم المدعى والعمل بموجب التوجيهات الأخرى المضمنة في مذكرة محكمة الاستئناف

وحيث أن الحكم المطعون فيه هو الحكم الثالث الذي تصدره محكمة  الاستئناف في هذا النزاع فإن أسباب  الطعن لن تكون مفهومة إلا بسرد مراحل هذا النزاع وهي على أي حال لا تخلو من بعض الجوانب الطريفة

لقد بدأ النزاع عندما أقام المواطن عبد الرحمن أحمد العامدي الدعوى 439/83 المشار إليها في 2/11/1983 تأسيساً على أن الطاعنة الأولى باعت له في 28/3/1976م القطعة رقم 76 مربع 235 ود مدني (التي تستأجرها بعقد حكر من حكومة السودان) بمبلغ مائتين وخمسين جنيهاً إلا أنها عادت في 1980م ووهبت ذات القطعة لأبنائها المدعى عليهم الباقين (وهم سبعة وردت أسمائهم في كشف أرفق بعريضة الدعوى)

وفي 23/11/1983م تقدم الأستاذ حسن حسين المحامي نيابة عن زميله الأستاذ عبد المنعم الخضر جكنون بمذكرة دفاع استهلها بعبارات “نيابة عن المدعى عليهم” وذلك بعد أن أشار إلى أن الدعوى بين المدعى باسمه وخديجة العوض وآخرين ومهما يكن من أمر هذا فقد تقدم محامي المدعى عليهم بدفع قانوني قوامه أن قطعة الأرض محل النزاع من أراضي الخطة الإسكانية منحت للمدعى عليهم وما سجلت باسم المدعى عليها الأولى إلا لأنها والدة الباقين وفي ذلك ما ينشئ ما يسمى بالائتمان العائد لصالحهم مما يمتنع معه على الوالدة التصرف في القطعة إلا بإذنهم لأن مثل هذا التصرف في القطعة يتعارض مع السياسة العامة في المنح (على اعتبار أن المنح إنما للأسرة كاملة ليس لأي فرد منها)

وفي 3/12/1983م وعقب رد محامي المدعى علي هذا الدفع القانوني أصدرت المحكمة قرارا بشطب الدفع تأسيساً على أن التصرف ليس باطلاً وانما هو موقوف على موافقة السلطات المختصة على أن الوالدة (المدعى عليها الأولى) كانت مفوضة في التصرف الذي قامت به وبعد سماع الدعوى أصدرت المحكمة في 10/9/1984م حكماً ابتدائياً بتعديل الجل شريطة أن يوافق مدير الأراضي على ذلك كما أصدرت قرار بالكتابة للمحكمة الشرعية لإلغاء الهبة

طعن المدعى عليهم في هذا الحكم أمام محكمة الاستئناف تحت الرقم 5/1405هـ فأصدرت قرارها فيه بتاريخ 22/8/1405هـ وهو إلغاء الحكم واعادة القضية لمحكمتها للسير فيها من جديد على ضوء ما ذكرنا

ولأن  حكم محكمة الاستئناف المشار إليه هو الأساس الذي يقوم عليه الطعن محل النظر فانه يلزم أن ننقل منه أسبابه التي تتلخص فيما يلي:-

أ/ القطعة المسجلة  في اسم الأولاد ولذا كان يجب إدخالهم في الدعوى

ب/ إلغاء الهبة من اختصاص المحاكم الشرعية

ج/ حتى إذا كان للقاضي اختصاص في النظر في المسائل المدنية والشرعية معا فإن لإلغاء الهبة إجراءاته الخاصة

د/ عبد البيع يفتقر إلى الشكل لأنه معلق على شرط موافقة سلطات الأراضي ولهذا فهو باطل بموجب المادة 91 من قانون المعاملات المدنية

هـ/ المشتري (المدعي) كان سيئ النية لأنه لم يستجب لاعتراض بقية الأسرة

و/ الحكم بتغيير السجل أصبح أمرا شبه مستحيل لأنه يحتاج إلى موافق السلطات والتي لا أرى مبررا لموافقتها بسبب الرغبة في البيع المجردة

ز/ تمت هبة القطعة للأولاد بإجراء صحيح ولا سبيل لإلغاء هذا الأشهاد إلا بإبطال الهبة بدعوى أمام دائرة الأحوال الشخصية

ح/ لو نظرنا إلى ثمن القطعة وهو 250 جنيه نجده غير مناسب وأن الغبن فيه واضح

لا حاجة لي إلى بيان أوجه القصور في هذا الحكم إذ أنه خلط بين القانون والوقائع وقام على وقائع لا أثر لها في المحضر وأغفل بل وجحد وقائع ثابتة فيه كوجود الأولاد كمدعى عليهم وواقعة أن المحكمة الجزئية لم تصدر أي قرار صريح بإلغاء  الهبة وإن كانت قد أخطأت على أي حال بأمرها للمحكمة الشرعية لإلغاء الهبة

على أن أكثر أوجه القصور فداحة في هذا الحكم هو أنه اكتفى بإعادة الأوراق لمحكمتها للسير فيها من جديد فبينما كانت النتيجة المنطقية لأسباب إلغاء حكم محكمة الاستئناف هي شطب الدعوى كلية إذ لا يتضح ماذا بقي لمحكمتها أن تفعله بالأوراق عند عودتها لها

ولعله يجدر لاكتمال الصورة أن نبين أن حكم محكمة الاستئناف صدر أبان العمل بنظام القاضي الفرد في جميع مراحل الطعن

على أنه وأيا ما كان مؤدى ذلك كله فقد عادت الأوراق الشخصية لإبطال الهبة إلا أن تلك الدائرة أصدرت قراراً بتاريخ 29/1/1986م بشطب العريضة تأسيساً على أن الدعوى دعوى إثبات بيع لا تأثير فيها لهبة تمت لاحقة للبيع وأن الأمر على هذه الوجه من اختصاص المحكمة المدنية) العريضة مذيلة بالقرار المشار إليه من ضمن أوراق الدعوى)

وعقب ذلك وعلى وجه التحديد في 29/4/1986م أصدرت محكمة الموضوع قرارا بشطب الدعوى بناءاً على ما انتهت إليه عقيدتها في أن المدعى “فشل في رفع” دعوى الهبة وانه لم يطعن في قرار شطب عريضته في هذا الشأن (هذا القرار أعد بتاريخ 28/ وأعلن في التاريخ المشار إليه)

لم يقبل المدعي بهذا القرار فطعن فيه أمام محكمة  الاستئناف تحت الرقم أ س م/425/1406هـ فكان حكمها الذي صدر بتاريخ 12/11/86 (تاريخ اكتمال الآراء) هو إلغاء قرار شطب الدعوى واعادة الأوراق لمحكمة الموضوع للسير في الدعوى وفقاً لما ورد في المذكرة وقد حمل الأمر النهائي بـذلك بتاريخ 18/11/1986م خلافاً لما يقضي بـه القانون وقد جاء في حيثيات الحكم ما يلي:-

” ولكن لما شاب الحكم المطعون فيه من خطأ واضح نمسك عن الخوض لما جاء في الرد على الاستئناف (هكذا) () خطأ محكمة الموضوع تمثل في تفسيرها لمذكرة محكمة الاستئناف التي لم تشترط لقيام الدعوى المدنية أن تسبقها دعوى إبطال هبة أمام المحكمة الشرعية بل أخطأت المحكمة الجزئية في تصديها بالكتابة إلى المحكمة الشرعية لإلغاء الهبة

وأوضحت مذكرة محكمة الاستئناف الطريقة التي يمكن أن يتم بها إلغاء الهبة

عندما عادت الأوراق للمحكمة الجزئية للمرة الثانية لفت محامي المدعي النظر إلى أن المدعى عليهم من 2 إلى 8 كانوا قد ردوا على الدعوى ومع أن هذا هو الواقع الذي ليس في تعقيب محامي المدعي عليهم ما يفهم على أنه اعتراض عليه فإن محكمة الموضوع قررت أن محامي المدعى عليهم اعترض على كلام محامي المدعي وأنه بالرجوع لمحضر الإجراءات أرى أنه لا يوجد ما يفيد برد المدعى عليهم على الدعوى بل وظهورهم حسب قرار محكمة الاستئناف ومن ثم أمرت بإعلانهم

ولعل المحكمة كانت تقصد أنها ملزمة بقرار محكمة الاستئناف وأن المدعى عليهم المعنيين لم يظهروا أمامها بعد صدور ذلك القرار أما إذا كانت تقصد خلاف ذلك فإنه لا يبين كيف فات على المحكمة أن عريضة الدعوى كانت تشير إلى المدعى عليهم المشار إليهم في وضوح وأن كشفا بأسمائهم أرفق مع العريضة وأن محاميهم رد نيابة عنهم صراحة

على أنه مهما كان من أمر ذلك أيضاً فما حدث عقب ذلك هو أن الأستاذ جكنون المحامي تقدم بمذكرة دفاع نيابة عن المدعى عليهم من الثاني إلى الثامن بتاريخ 13/7/1987م ضمنها ثلاثة دفوع قانونية أولها موضوع الائتمان العائد الذي سبق أن قدمه كدفع وشطبته المحكمة وثانيهما أن محكمة الاستئناف قضت في أ س م/5/1405هـ ببطلان البيع لافتقاره للشكل المتعلق بموافقة السلطات المختصة وثالثهما ما ورد في حكم محكمة الاستئناف المشار إليه أيضاً من أن الحق في القطعة محل النزاع انتقل للمدعى عليه من الثاني إلى الثامن عن طريق هبة صحيحة وأن تعديل السجل أصبح شبه مستحيل وقد استرسل محامي المدعى عليهم في ذلك القول بأنه ليس هناك سبب للدعوى طالما كانت المحكمة المدنية غير مختصة بإبطال الهبة

وفي 22/10/1987م وبعد رد محامي المدعى على دفوع المدعى عليهم أصرت المحكمة قراراً بشطب الدفع المبدئي تأسيسا على أن المحكمة ملزمة بقرار محكمة الاستئناف القاضي بضم المدعى عليهم والاستماع لردهم ولا يبين من هذا ما إذا كان الشطب قد شمل كل الدفوع إذ أن التزام المحكمة بالاستماع لرد المدعى عليهم الذين تقرر ضمهم لم يكن يتعارض مع الدفوع التي قدمها  محاميهم بل لعل الاستماع لم يكن يعني إلا ذلك على أننا لو أخذنا الأمور بظواهرها لا نجد بدا من اعتبار القرار شاملاً لك الدفوع بصرف النظر عن التسبيب الذي قام عليه ذلك القرار وبالفعل قررت المحكمة تحديد ميعاد للسماع ثم قامت بتأجيله عدة مرات لأسباب مختلفة حتى كان يوم 14/9/1988م حين أعلن محامي المدعي أنه يكتفي بالبينات المقدمة من قبل وجاء محامي المدعى عليهم في 10/10/1988م ليعلن موافقته على طلب المدعي ويطلب من جانبه قفل القضية والسماح للطرفين بتقديم مرافعات ختامية

وبالفعل تقدم كل من محامي المدعي ومحامي المدعى عليهم بمرافعاتهما حيث تمسك محامي المدعي بأول حكم صدر من المحكمة وساق سنداً لذلك ما يلي:-

أ/ أن عقد البيع انعقد صحيحاً ولم يبق إلا تنفيذه بعد أن عرضت المدعي عليها الأولى البيع وقبله المدعي ودفع الثمن وشهد والد بقية المدعى عليهم على العقد

ب/ أن الشرط الوارد في عقد الحكر لا يبطل العقد وأنما يجعله معلقا على شرط موافقة السلطات وهو ما يمكن الوفاء به بصدور حكم ابتدائي معلق على ذلك الشرط

ج/ أن المدعى عليها كانت سيئة النية لهبتها للقطعة بعد تمام البيع

د/ الهبة باطلة لتعلقها بحق الغير ولأنها مشوبة بسوء النية من المدعى عليها ومن أبنائها الذين سكتوا رغم علمهم بالبيع وأخفوا بدافع من المصلحة تلك الواقعة عند اتخاذ إجراءات الهبة

أما محامي المدعى عليهم فقد تمسك في مرافعته في جوهرها بما اشتمل عليه حكم محكمة الاستئناف في أ س م/5/1405هـ من قرارات واستدل في ادعائه ببطلان عقد البيع بما قضت به المحكمة في قضية عبد الماجد الأغبش ضد الأغبش محمد الحسن (مجلة الأحكام القضائية  لسنة 1976م ص 351) وبالمادة (54) من قانون تسوية الأراضي وتسجيلها وكذلك سابقة شركة النيل الأزرق للتوريد وتجارة الزيوت ضد عبد الهادي القباني (مجلة الأحكام القضائية لسنة 1960م ص 23) والجزء الرابع من الوسيط للسنهوري (ص 481)

أما  فيما يتعلق بما ورد في مرافعة محامي المدعي حول سوء نية المدعي عليها الأولى فقد رد محامي المدعى عليهم بأنه لا يجوز التمسك بهذه الحجة لأن الدعوى لم تؤسس على الغش

أن المدعى عليها الأولى وبحكم بطلان عقد البيع وفق تقديره تصرفت في ملكها وأضاف محامي المدعى عليهم أن الدفع بأن المدعى عليها الأولى تصرفت في ملك غيرها ينبغي أن يقدم في المحكمة الشرعية في إطار دعوى لإبطال الهبة

على اثر ذلك أصدرت محكمة الموضوع حكماً لا يبين متى صدر بالضبط هل في 27/12/88 الذي حدد للقرار (فيما قالت المحكمة) أم 26/12/88 الذي تحمله حيثيات الحكم أم 1/2/1989م الذي يحمله منطوق الحكم للمدعي وقد قام ذلك الحكم على الأسباب التالية:-

أ/ الدعوى كانت منذ البداية ضد المدعى عليهم الذين تقررت إضافتهم فيما بعد

ب/ قاعدة الائتمان الراجع لا تنطبق على هذا النزاع

ج/ عقد البيع باطل بموجب المادة 92 من قانون المعاملات المدنية لأنه لم يستوف الشكل المتعلق بموافقة مدير الأراضي عليه وعدم اكتمال التسجيل باسم المدعي

د/ طبقاً لحكم المحكمة العليا في قضية حسن طه نصر وخضرة حسين ضد سليمة جابر (مجلة الأحكام القضائية لسنة 1987م ص 248) فإن التصرف في الأراضي السكنية لا يعد بيعا

هـ/ يشترط (القانون) موافقة مدير الأراضي في نقل ملكية الأراضي السكنية

و/ المدعى عليها الأولى وهبت ما كانت تملكه وما كان مسجلاً باسمها بالإشهاد الشرعي الذي سجلت بموجبه الهبة مما يجعل الهبة صحيحة ولا يمن إلغاؤها بأي حال من الأحوال

لم يرض المدعي بهذا الحكم فطعن فيه أمام محكمة الاستئناف فكان حكمها هو إلغاء حكم محكمة الموضوع واعادة الإجراءات إلى المحكمة لإصدار حكم ابتدائي يقضي بتعديل سجل القطعة محل النزاع من اسم المدعى عليهم إلى اسم المدعي ثم مخاطبة السلطات المختصة للموافقة على نقل الحق فإذا لم توافق تصدر ما تراه مناسباًَ من تعويض (أ س م/26/89)

وقد قام حكم محكمة الاستئناف على الأسباب التالية:-

أ/ شطب الدعوى جاء مخالفاً لما استقر عليه القضاء وما أكده قانون المعاملات المدنية من أن العقد شريعة المتعاقدين

ب/ سابقة حسن طه نصر وخضرة حسين ضد سليمة جابر التي استندت إليها محكمة الموضوع اعتمدت بدورها على قانون تصرف السودانيين في الأراضي الذي قام بإلغائه قانون المعاملات المدنية نفسه

ج/ مهما يكن فإن البيع المعلق على شرط بيع صحيح منتج لأثره إلى أن يثبت عدم تحقق الشرط

د/ بناء على ذلك فإن البيع في النزاع محل النظر نافذ ما لم ترفض السلطات المختصة تسجيله وإذا رفضت فإن ما تواتر عليه قضاء المحكمة العليا هو أن يحكم للمشتري بالتعويض

هـ/ البيع تم قبل ثلاث عشرة سنة واتصفت المدعى عليها الأولى بسوء النية عندما وهبت القطعة رغم تلك الحقيقة

و/ ليس في سابقة حسن طه ما يحرم المدعي من التعويض في حالة عدم إجازة البيع

ز/ السابقة المشار إليها رمت إلى حماية أراضى الخطة الإسكانية من تلاعب السماسرة وهذا مات يتحقق بتعليق نفاذ البيع على إجازة السلطات

لم يرض المدعى عليهم بهذا الحكم فتقدموا بعريضة الطعن هذه بوساطة محاميهم الأستاذ عبد المنعم جكنـون وهي تقوم في جوهرها على الأسبـاب التي وردت في حكم محكمة الاستئناف في أ س م/5/1405هـ مع إضافة ما ورد في حكم محكمة الموضوع من أسباب بنت عليها قرارها بشطب الدعوى

ولما كان من الثابت أن الحكم المطعون فيه أعلن لمحامي مقدمي العريضة في 23/9/1989م وأن العريضة قدمت في 5/10/1989م فإن العريضة تكون مقدمة خلال الميعاد المقرر قانوناً

أما من الناحية الموضوعية فقد كان من الضروري – فيما نوهت عنه من قبل أن نسرد جميع مراحل هذا النزاع لا لتكون لدينا صورة كاملة للنزاع فحسب وانما أيضا لاستجلاء جوهر النزاع وتحيد المسائل التي ينبغي التصدي لها للفصل في هذا الطعن

ولعله يبين من كل ذلك أن ما تثيره عريضة الطعن يتعلق بثلاث مسائل أولاها حجية الحكم الصادر من محكمة الاستئناف في أ س م/5/1405هـ وثانيتها صحة التصرف الذي أجرته المدعى عليها الأولى في قطعة الأرض محل النزاع ببيعها للمدعى وثالثتها (أي الأخيرة) هي أثر الهبة التي قامت بها المدعى عليها نفسها لذات القطعة لأبنائها بقية المدعى عليهم ويجمل أن نتناول فيما يلي هذه المسائل الثلاث واحدة تلو الأخرى

وإذا ما بدأنا بحكم محكمة الاستئناف في أس م/5/1405هـ فإنه يبين ويما سبق أن نوهنا عنه أيضا أن ذلك الحكم انتهى إلى خلاف ما كانت تقتضيه أسبابه فقد كان مقتضى تلك الأسباب هو شطب الدعوى وليس إعادة الأوراق لمحكمة الموضوع إذ لم يكن قد بقي لتلك المحكمة (مع سياق حكم محكمة الاستئناف) ما كان يمكنها النظر فيه ولا خلاف على أنه لا مجال لنا إلا أن نعيد النظر في ذلك الحكم إذ أنه ليس محل طعن أمامنا تماماً كما أنه لم يكن محل طعن في حينه غير أن السؤال الذي تلزم الإجابة عليه للفصل فيما أمامنا من طعن هو: ما هو أثر ذلك الحكم خاصة وأن عريضة الطعن تعتمد عليه كلية تقريباً؟

ويجمل أن نقرر في هذا الشأن أنه ورغم أن عريضة الطعن تعتمد في أسبابها على ما يراه مقدموها تعارضاً بين ذلك الحكم وحكم محكمة الاستئناف المطعون فيه الآن إلا أن العريضة لا تقوم صراحة على أي ادعاء بحجية الحكم الأول ومهما يكن من أمر ذلك فإنني أرى أن حكم محكمة الاستئناف في أ س م/5/1405هـ مشوب بالإبهام وقائم في أجزاء منه أم دون سند من الوقائع الثابتة (كقوله بأن الثمن فيه غبن وقوله أن المدعي سيئ النية أو أ تعديل السجل أصبح شبه مستحيل) أو على مجرد الرأي (كقوله أنه لا يرى مبرراً لموافقة السلطات) وهو فضلا عن ذلك كله قد أعاد النزاع برمته لمحكمة الموضوع لإعادة النظر في ضوء ما يدفع به المدعى عليهم من الثاني إلى الثامن “بعد ضمهم” وبذلك فإنه قد فتح الباب على مصراعيه للتنازع مجدداً مما ينفي عنه أي قضاء حاسم في أية مسألة من المسائل التي تصدى لها، ثم إن محكمة الاستئناف وسواء باختصاص أو دون اختصاص تصدت للنزاع مرة أخرى في الاستئناف رقم 425/1406هـ وحددت ما اعتبرته نقاطا للخلاف ونقاطاً لمهمة محكمة الموضوع عند عودة الأوراق لها للمرة الثانية دون أن يكون حكمها ذلك محل طعن من أي من طرفي النزاع وإزاء هذا فإنني أرى أن ما سبق آخر حكم لمحكمة الموضوع من الإجراءات لا تتعدى محاولات من محكمة الاستئناف في تصحيح المسار الإجرائي للدعوى ورغم أنها وقعت في أخطاء إجرائية لا تقل فداحة عما وقعت فيه محكمة الموضوع) وأن الدعوى لم تدخل في المسار الذي رأته لها محكمة الاستئناف إلا على أثر حكم تلك المحكمة في أ س م/435/1406هـ

وعلى هدى من هذا النظر فإن ما ينبغي النظر إليه في الفصل في هذا النزاع إنما يقتصر على ما قضت به محكمة الموضوع مؤخراً – وحكم محكمة الاستئناف المطعون فيه الآن يأتي بنا هذا إلى ما أراه جوهر هذا النزاع وهو مدى صحة تصرف المدعى عليها الأولى ببيع القطعة محل النزاع

وفي هذا الشأن فإنه يبدو لي أن حكم محكمة الموضوع قام على خلط لابد من إزالته وهو أن ما يرد في عقود الحكر من شرط يقضي بعدم التصرف في الأراضي الممنوحة بموجبه إلا بعد موافقة السلطات المختصة يجعل التصرف باطلاً إذ أن مثل هذا الشرط شرط تعاقدي تترتب على الإخلال به مسئوليات على المستأجر دون أن يكون لذلك اثر على تصرفاته إلا فيما هو مطلوب لنفاذها من ضرورة الحصول على موافقة السلطات المختصة خاصة بعد إلغاء قانون تصرف السودانيين في الأراضي ومؤدى ذلك أن التكييف السليم للشرط الوارد في عقود الحكر هو وفيما قالت به محكمة الاستئناف بحق أن التصرف معلق على شرط موافقة السلطات وشتان ما بين عقد صحيح نفاذه معلق على شرط ما وبين عقد باطل من أساسه إذ بينما تترتب حقوق على العقد الأول (كالحق في التعويض) فإنه لا أثر للعقد الثاني وهذا ما ذهبت إليه محكمة الاستئناف في حكمها المطعون فيه

إن محكمة الموضوع قامت بتطبيق قضاء هذه المحكمة في قضية حسن طه وخضرة حسين ضد سليمة جابر دون مراعاة لعدة اعتبارات منها أن ما ورد في ذلك الحكم في شأن طبيعة عقود الحكر (سواء كانت تتعلق بخطة إسكانية أو خلافها) إنما جاء في شكل رأي عابر نظراً إلى أن المحكمة كانت قد قررت شطب الطعن بأسباب أخرى قبل ذلك ومنها أن الشرط الوارد في تلك العقود لا تشكل “قانوناً” وإن الإشارة في ذلك الحكم إلى قانون تصرف السودانيين في الأراضي لم تكن موفقة  فيما أشار إليه محرر المجلة إذ أن ذلك القانون كان قد تم إلغاؤه في ذلك الوقت والغريب في الأمر أن محكمة الموضوع أخذت علماً بتعليق محرر المجلة وإشارته إلى قضيتي إبراهيم فضل المولى ضد محمد بشير (مجلة الأحكام القضائية 1965م ص 84) وعثمان محجوب ضد أيوب علي سليمان وآخر (مجلة الأحكام القضائية 1972م ص 65) دون أن تدرك أن معنى تلك الإشارة هو أن الحكم في قضية حسن طه علي قام على قانون لم يعد له وجود وأنه يتعارض مع الحكمين المشار إليهما

ومؤدى ما تقدم أنه ليس في الفقه أو في القضاء ما يجعل تصرف المدعى عليها الأولى في هذا النزاع باطلاً وانما غاية ما يشوب تصرفها أنه معلق على شرط موافقة السلطات المختصة عليه فإن وافقت نفذ التصرف وإن لم توافق لزم النظر في تعويض المدعى (وليس مجرد رد ما دفعه من ثمن له)

أما موضوع الهبة فلا حاجة فيه إلى إجراءات إبطال هبة سواء كان من الواجب إقامتها أمام دوائر الأحوال الشخصية أو تولتها المحكمة  الجزئية ذاتها إذ أنه ولما كان الاختصاص ينعقد لمحكمة الموضوع في النظر في دعوى إثبات البيع فإن التصرف اللاحق  على أي وجه كان يصبح خاضعاً لما يتقرر في شأن ذلك البيع دونما حاجة إلى التصدي له صراحة

ولما كان الحكم المطعون فيه موافقاً لهذا النظر فإنه لا يكون مشوبا بأي قدر من المخالفة للقانون في تطبيقه أو تأويله بما يجعله عرضة للطعن بالنقض وعليه يتعين شطب عريضة الطعن إيجازياً

القاضي: صلاح الدين محمد الأمين

التاريخ: 29/12/1991م

أوافق ولا أراني في حاجة إلى إضافة شئ إلى هذه المذكرة الضافية

القاضي: عبد الرحمن عبده

التاريخ: 31/12/1991م

أوافق

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: غير مسموح