الضمان والضمانة والتفاصيل

السلام عليكم ورحمة الله: أثيرت في مجموعات الواتساب التي أنشأها الشباب وشرفوني بأن تحمل إسمي مسألة الضمان والضمانة وقد أدليت فيه برأي ، ربما تيسر نشره هنا، لكن تعميما للفائدة أردت استكمال هذا الموضوع لأهميته للمصلحة العامة، وإليكم هذا المنشور الأساس والمؤصل له ، ولكم مقارنة النصوص مع استصحاب المبدأ:
منشور جنائي رقم 105/84 الموضوع :- الكفالة في قضايا حوادث حركة المرور

بسم الله الرحمن الرحيم

جمهورية السودان الديمقراطية الهيئة القضائية المكتب الفني – المحكمة العليا

النمرة :- م.ف/ عمومي/ 1 – 1 التاريخ :- 23/1/1984

قال تعالي مخاطبا نبيه الكريم :- (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) الآية 107 سورة الأنبياء صدق الله العظيم
وقال خير المرسلين سيدنا محمد صلوات الله عليه وسلامه : (( لا تنزع الرحمة إلا من شقي )) ( الترمذي . بر 16)وأكثر صلوات الله عليه وسلامه من الدعوة بالرحمة فقال :-

(( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء )) ( الترمذي . بر 16 ) هذه الرحمة جاء بها شرع الله لتعم لا لتخص فهي رحمة بالناس أجمعين . وهي لازم من لوازم العدل وثمرة من ثمراته ولا يمكن أن تتحقق الرحمة مع الظلم كما لا يمكن أن يكون العدل مخالفة للرحمة مادام الاعتبار هو رحمة الكافة – فالعدل والرحمة متلازمان كل لازم للآخر . فالعدالة الحقيقية هي الرحمة الحقيقية ولقد كان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه أحسن الناس وأعدلهم عندما قال :- (( القوي منكم ضعيف حتى اخذ الحق منه والضعيف منكم قوي حتى اخذ الحق له )) .فتلك هي الرحمة الحقيقية ولا تعني بأي حال تفريط في حق احد علي الأخر . علي هدي هذه الأصول الشرعية نتناول موضوع الكفالة التي جاء النص عليها في المادة 271 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م إذا قبض علي أي شخص في أي جريمة أو حبس بأمر من وكيل النيابة أو أي ضابط مسئول عن نقطة الشرطة وحضر أو احضر أمام محكمة أو قاضي وابدي استعداده في أي وقت أثناء وجوده في حراسة وكيل النيابة أو الضابط المذكور أو أمام المحكمة أو القاضي المذكورين لتقديم الكفالة التي يراها وكيل النيابة أو الضابط أو القاضي أو المحكمة إنها كافية يجب الإفراج عنه بكفالة أو تعهد أشخاص أكفاء إلا إذا رأي الضابط أو وكيل النيابة أو القاضي أو المحكمة لأسباب يجب تدوينها أن الإفراج عنه يضر بالتحريات عن الجريمة أو أن هناك احتمالا كبير بهروب المتهم من وجه العدالة . علي انه يجوز للضابط أو وكيل النيابة أو المحكمة أو القاضي حسبما يرونه ملائما بدلا من اخذ الكفالة من الشخص المذكور الإفراج عنه علي أن يقدم تعهدا بدون ضامنين بالحضور .
2/ علي الرغم من أحكام البند (1) لا يجوز إطلاق سراح المتهم بالضمان إذا كانت الجريمة المتعلقة بالمال العام أو الخاص أو بدية أو حق لأي شخص مضرور إلا بعد إيداع مبلغ من المال يساوي أي مبلغ قد يحكم به ضد المتهم كتعويض أو دية عند الإدانة .
3/ يراعي عند تطبيق البند (2) وجود بينة مبدئية ضد المتهم . الفقرة الأولي (1) من هذه المادة تتعلق بضمان حضور المتهم أمام المحكمة المعينة كل ما طلب منه ذلك وتقوم الجهة المعينة في تلك الفقرة بتقدير مبلغ كل ضمان بالحضور مراعية في ذلك ظروف كل حالة إذ ليس هناك تحديد مقدم لمقدار مبلغ الضمان وفي ذلك التقدير لابد أن يكون مبلغ الضمان أو التعهد مناسبا وكافيا لحمل ذلك الشخص المراد الإفراج عنه بكفالة علي الحضور كل ما طلب منه ذلك في الزمان والمكان المحددين .
الفقرة الثانية من تلك المادة لا تجوز إطلاق سراح المتهم بالضمان إذا – كانت الجريمة متعلقة (أ) بالمال العام (ب) أو المال الخاص أو (ج) بدية أو (د) بحق لأي شخص مضرور إلا بعد إيداع مبلغ من المال يساوي أي مبلغ قد يحكم به ضد المتهم كتعويض أو دية عند الإدانة .
فإيداع المبلغ في هذه الفقرة يعتبر ضمانا للمبلغ الذي قد يحكم به ضد المتهم كتعويض أو دية عند الإدانة .فإيداع مبلغ الضمان في حالة الجريمة المتعلقة بالمال العام أو الخاص أو الدية أو بحق لأي شخص مضرور كشرط لابد من الإيفاء به قبل إطلاق سراح الشخص المعني بالكفالة قصد منه ضمان سداد المبلغ الذي قد تحكم به المحكمة ضد المتهم بدفع دية أو تعويض عند الإدانة .ولما تبين لنا قصد ومرامي المشرع هنا هو وجوب ضمان تحصيل المبلغ الذي قد تحكم به المحكمة علي المتهم عند الإدانة . فإننا اهتداء بقوله في محكم تنزيله.
(( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )) ( الآية 185 سورة البقرة )
وقول الرسول الكريم :-(( وما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن ))
وللمسحة والتيسير ورفع المشقة والحرج رأينا أن تقوم التدابير الآتية مقام الضمان إذا تعزر إيداع مال الضمان نقدا .
أولا : وثيقة التامين أو الضمان :-
لقد نص قانون حركة المرور لسنة 1983م وفي مادته 58 علي وجوب التامين علي المركبات من الأخطار التي يتعرض لها الغير . ونصت المادة 59 علي مستلزمات وثائق التامين وفيها وجوب أن تكون وثيقة التامين تأمن الشخص أو الأشخاص الوارد ذكرهم بتلك الوثيقة عن أي مسئولية مما يقع علي عاتق أي منهم بالنسبة لوفاة أي شخص أو إصابته جسمانيا أو إصابة ممتلكاته بسبب استعمال المركبة علي أي طريق أو تكون ناشئة عن ذلك الاستعمال .
كما نصت المادة 60 علي مستلزمات الضمان وفي مطلعها إن تتضمن تعهدا من الضامن يتحمل نتائج عدم وفاء مالك العربة أو الأشخاص الآخرين أو فئات الأشخاص حسبما يكون مبينا في شهادة الضمان بما تقتضيه أي مسئولية يلزم أن تشملها وثيقة تامين مما يكون واقعا علي عاتق أي منهم . ثم جاءت المادة 64 من ذلك القانون بوجوب إعلان المؤمن أو الضامن وأي طرف آخر ذي مصلحة مدنية أو جنائية في الدعاوى الناشئة عن حوادث المرور وسماع دفوعه .
فإذا تبين أن الوثيقة المقدمة تشمل حالات دفع التعويض عن الضرر سواء ضد الإنسان أو المال ( الممتلكات ) بما فيها الحالة المتهم بتسبيبها الشخص المراد الإفراج عنه بالكفالة وإذا ثبت تعزر دفع المال الذي قد يحكم به نقدا يجوز قبول مثل هذه الوثيقة أو الضمان كضمان إيفاء للشرط الوارد في الفقرة (2) من المادة 271 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م .
ثانيا : الرهن :-
يجوز أن يقبل بديلا لإيداع المبلغ إذا قدم المتهم ما يثبت قيامه برهن عقاره أو عقاراته للحكومة ولصالح المجني عليه أو المضرور بما يعادل قيمته المبلغ الذي قد يحكم به إذا تمت إدانته .
ثالثا : الودائع لدي البنوك :- يجوز كذلك قبول خطاب معتمد من البنك مثبتا فيه وجود ودائع للمتهم بالبنك المعني قيمتها لا تقل عن مبلغ الضمان المطلوب إيداعه والتزام البنك بحجزها وعدم السماح بالتصرف فيها إلا بإذن المحكمة التي تفصل في القضية المراد بشأنها إيداع مبلغ الضمان .

رابعا : الخطابات المعتمدة من الوزارات والمصالح الحكومية والمؤسسات :-

الخطابات المعتمدة من الوزارات والمصالح الحكومية والمؤسسات والتي يجئ فيها تعهدها بدفع المبلغ الذي قد يحكم به إذا تمت إدانة المتهم المطلوب منه إيداع مبلغ الضمان . وهذه الخطابات يجوز قبولها بعد التحقق من صحتها كبديل لإيداع مبلغ الضمان المطلوب . هذه هي أنواع الضمان التي يجوز قبولها إذا تعزر علي المتهم إيداع المبلغ الذي قد يحكم به قبل الإفراج عنه بالكفالة .
إذا عفي وأصلح ولي الشخص الذي مات بسبب الحادث أو في حالة الأذى الشخص المجني عليه أو المضرور لابد أن يقدم ذلك العفو والصلح للقاضي المختص وذلك لأنه الجهة المختصة بالتحقيق من صحته وصدوره من أجاز له القانون إصدار ذلك العفو أو الصلح وإذا تعزر الاتصال به بعد بذل جهد يجوز أن يتم إطلاق سراح المتهم بضمانة قوية يعادل قيمتها المبلغ الذي قد يحكم به إذا تمت الإدانة علي أن يقدم ذلك العفو أو الصلح للقاضي المختص في اقرب وقت ممكن لكي يبت في أمره بصفة نهائية .
إن الغرض من الإجراء سالف الذكر ألا يبقي المتهم المقدم بشأنه العفو أو الصلح في الحراسة لمدة أطول . ولا ينجم عن ذلك ضرر إذا ما رفض القاضي قول الصلح مثلا بسبب صدوره عن شخص غير الشخص الذي يصدر منه الصلح قانونا , وذلك لان المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983م تجوز للمحكمة إعادة القبض علي المفرج عنه بالضمانة إذا اقتضي الحال فإذا لم يقبل الصلح يتم إعادة قبض المتهم والسير بإجراءات الكفالة بالطريق العادي حسب الحال .
ملحق بهذا المنشور جدولان :-
الأول يحوي الأذى علي مادون النفس والمقدار من الدية الواجب دفعها تقديرا نقديا تم حسب منشور الدية الناقصة ( منشور جنائي رقم 104/83 ) والثاني يحوي بيان بأجزاء العربات والتقدير النقدي للتلف إذا أتلفت للاهتداء بها عند تحديد مبلغ الضمان ولابد أن أشير بان هذه البيانات والتقديرات الموضحة بها لكل جزء ولا يقصد منها تقيد المحكمة في سلطتها بالتقدير وكل ما قصد بإيرادها لكي تكون مرشدا عند تقدير مبلغ الضمان المطلوب . هناك أنواع من العربات لم يرد ذكرها في الجدول الثاني وسيتم تقدير أجزائها ويجئ ذلك في جداول لاحقة .
اسأل الله لي ولكم التوفيق
صدر تحت توقيعي في اليوم السادس والعشرين من ربيع الثاني 1404هـ
الموافق التاسع والعشرين من يناير 1984م.
دفع الله الحاج يوسف
رئيس القضاء

نوالى بعد ذلك السوابق القضائية المتعلقة بالموضوع بحول الله

حكومة السودان / ضد / محمد خضر خاطر
القضاة:
السيد/ عبد المنعم الزين النحاس قاضي المحكمة العليا رئيساً
السيد/ على يوسف الولي قاض المحكمة العليا عضواً
السيد/ صالح الشريف قاضي المحكمة العليا عضواً
حكومة السودان / ضد / محمد خضر خاطر
النمرة/م ع/ف ج/217/1978م
المبادئ:
قانون الإجراءات الجنائية البينة المبدئية – المقصود بها – المادة 271/3أ ج
قانون الإجراءات الجنائية – سلطة الفحص – تشمل الأحكام النهائية والأوامر والقرارات – التي تصدر قبل صدور الحكم النهائي – المادة 239/3أ ج
1/ البينة المبدئية المنصوص عليها في المادة 271/3أ ج ليست بالضرورة هي البينة التي ترد على اليمين أمام المحكمة بل هي الأسباب الكافية والقانونية التي تنهض عليها المسألة الجنائية في أي مرحلة من مراحل إجراءات القضية قبل إصدار الحكم النهائي فيها
2/ أن سلطة المحكمة العليا أو السلطة الاستئنافية في فحص الإجراءات غير قاصرة فقط على حالة الأحكام النهائية بل تشمل الأحكام النهائية والأوامر والقرارات التي تصدرها المحكمة الأدنى في مرحلة التحري في يومية التحري وكالتي تصدر أثناء المحاكمة في محضر المحاكمة
المحامون: الأستاذ التجاني على التوم
الحكـــــم
القاضي: علي يوسف الولي :
التاريخ: 28/9/1988م
هذا الطلب تقدم به لهذه المحكمة عن طريق الفحص الأستاذ التجاني علي التوم المحامي نيابة عن الشاكي إسماعيل أحمد ساكن في البلاغ رقم 5034/1986 شرطة الأوسط غرب النيل – أمدرمان ضد المتهم محمد خضر خاطر تحت المادة 348 من قانون العقوبات لسنة 1983م لأن المتهم تسلم مبلغ 68360 ريالاً سعودياً من أقارب الشاكي بالسعودية على سبيل الأمانة إلا أنه خانها
بتاريخ 9/2/1987 وفي أثناء مرحلة التحري وفي يومية التحري ص 9 وبناء على طلب المحامي المتهم الخاص بإطلاق سراحه بالضمانة العادية قرر قاضي الجنايات ما يلي:
( وباطلاعي على الأوراق حيث يقع البلاغ تحت نطاق المادة 348 عقوبات لسنة 1983 ووفقاً لنص المادة 271 إجراءات جنائية (معدلة) لا يطلق سراح المتهم بالضمانة إلا بعد دفعه إيداع للمبلغ الذي قد يحكم به المرتكبة بشأنه الجريمة لذا
يطلق سراح المتهم بالضمانة بعد دفعه الإيداع وفقاً لمقتضيات المادة 271 إجراءات)
وبتاريخ 15/5/1987 وبناء على طلب محامي المتهم بإلغاء قرار قاضي الجنايات أعلاه وبالإفراج عن المتهم بالضمانة العادية دون إيداع المبلغ الذي قد يحكم به قرر قاضي المديرية أمدرمان ما يلي”
( الثابت من المحضر أن الشاكي والمتهم يعملان في مجال التهريب وحسب نص المادة 3(ب) مقروءة مع المادة 271 (2) لا أري أن هنالك ضرراً قد أصاب الشاكي من جراء فعل المتهم

فالمتهم اشترى البضاعة وسلمها لوكلاء المهربين بجده ولم يثبت أنه حول المبلغ لمصلحته ولهذا السبب ليس هنالك أدنى احتمال للحكم للشاكي بالتعويض

ولهذا السبب ليس من العدل إلزام المتهم بإيداع مبلغ يساوى مبلغ البضاعة المهربة على سبيل الكفالة

الشاكي في هذا البلاغ يعمل في مجال التهريب وهنالك بلاغ مفتوح بطرف مباحث بور تسودان تحت الرقم 921 و922/1986م وهذان البلاغان مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بوقائع هذا البلاغ واعتقد أن الشاكي في هذا البلاغ متهم أساسي فيهما

أمـــــــــــر:

1 / يخلى سبيل المتهم بالضمانة العادية القوية وبدون إيداع

2/ على قاضي الجنايات مخاطبة مباحث بور تسودان لاتخاذ الإجراءات القانونية ضد الشاكي في هذا البلاغ )

عندما طعن محامي الشاكي في قراري قاضي المديرية أعلاه قررت محكمة الاستئناف عدم التدخل فيها

وقد ورد في حيثيات حكم قاضي الرأي الأول في محكمة الاستئناف وأيده زميلاه ما يلي:

( الأوامر التي تصدر في مرحلة ما قبل المحاكمة أو تلك التي تصدر قبل صدور الحكم النهائي لا يمكن فحص مثل هذه الأوامر لأن الفقرة (2) من المادة 239 إجراءات جعلت غرض الفحص هو تصحيح الحكم ومراجعته

في الجانب الآخر سبق أن قررت هذه الدائرة أن الكفالة المنصوص عليها في المادة 271 (2) إجراءات لا يصح أن يصدر بها أمر في يومية التحري ويتعين سماع بينات أمام المحكمة لغرض التوصل إلي وجود بينه مبدئية حسب الفقرة (3) من المادة 271 إجراءات مقروءة مع المادة (2) من قانون الإثبات لسنة 1983 حيث جاء تعريف (بينة) بأنه الوسيلة التي تم بها إثبات أو نفى أي واقعة متعلقة بدعوى أمام المحكمة وجاء تعريف (دعوى) في نفس المادة بأنها تشمل أي إجراء تؤخذ فيه البينة أمام المحكمة

نخلص من هذا أنه يستحيل التوصل إلي وجود بينة مبدئية من واقع يومية التحري وحدها وبالتالي يكون قد تخلف شرط سابق نص عليه القانون واشترطه لأجل إلزام المتهم بالضمان المنصوص عليه في الفقرة (2) من المادة 271 إجراءات )

الأسبـــــــاب

تنص المادة 239 (1) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة (تعديل 1406هـ) على الآتي:

(يجوز للمحكمة العليا أو السلطة الاستئنافية بحسب الحال أن تطلب من تلقاء ذاتها أي محضر للإجراءات تباشره محكمة تابعة لها إذا تبين لها أن أي إجراء مخالف للشريعة الإسلامية أو القانون قد أتخذ أو أن العقوبة غير مناسبة)

تنص المادة 239 (2) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 على الآتي:

(في هذه الحالة للمحكمة ممارسة سلطاتها نحو تصحيح الحكم ومراجعته)

فأرى – خلافاً لما ترى محكمة الاستئناف – أن سلطة المحكمة العليا أو السلطة الاستئنافية في فحص الإجراءات غير قاصرة على حالة الأحكام النهائية بل تشمل الأحكام النهائية والأوامر والقرارات التي تصدرها المحكمة الأدنى في مرحلة ما قبل المحاكمة وتلك التي تصدر أثناء المحاكمة في محضر المحاكمة وكلمة (الحكم) الواردة في البند الثاني من المادة 239 من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 ينبغي ألا توهمنا بأن – المحكمة العليا أو السلطة الاستئنافية لا تستطيع أن تمارس سلطة فحص الإجراءات إلا في حالة الأحكام النهائية وليس في حالة الأوامر والقرارات الفرعية الطارئة وإذا كان ذلك كذلك فإن المحكمة العليا أو السلطة الاستئنافية تستطيع أن مارس سلطة فحص الإجراءات وفي حالة الأوامر والقرارات المتعلقة بشأن الكفالة أو التعهد تحت المادة 271 (1) وبشأن الضمان تحت المادة 271(2) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 تعديل (1406هـ) فكلمة (الحكم) الواردة في البند الثاني من المادة 239 من ذات القانون تشمل الحكم النهائي كما تشمل القرارات والأوامر الطارئة العارضة التي تصدر في مرحلة ما قبل المحاكمة وتلك التي تصدر قبل صدور الحكم النهائي
تنص المادة 271(3) من قانون الإجراءات الجنائية على الآتي:
(يراعي عند تطبيق البند (2) وجود بينة مبدئية ضد المتهم)
إن البينة المبدئية المقصودة هنا – خلافاً لما ترى محكمة الاستئناف ليست بالضرورة هي البينة التي ترد على اليمين أمام المحكمة بل هي الأسباب الكافية والقانونية التي تنهض عليها المسألة الجنائية في أي مرحلة من مراحل إجراءات القضية قبل إصدار الحكم النهائي فيها – وهي التهمة المبدئية التي تجعل الإدانة ستكون أمام المحكمة (محتملة) وليست بالضرورة (راجحة) وهي التي تجعل القضية صالحة للمحاكمة ففي قضية حكومة السودان ضد حبر عبد الله الحاج مجلة الأحكام القضائية سنة 1974م ص 471 قضى بأن أي قضية لا تعتبر صالحة للمحاكمة إلا إذا كان هنالك تهمة مبدئية ولكن – التهمة المبدئية لا تعني إثبات كل أركان الجريمة ومن ثم أقرر بأن قول محكمة الاستئناف بأن الكفالة المنصوص عليها في المادة 271 (2) إجراءات لا يصح أن يصدر بها أمر في يومية التحري وأنه يتعين سماع بينات أمام المحكمة لغرض التوصل إلي وجود بينة مبدئية حسب حكم الفقرة (3) من المادة 271 إجراءات مقروءة مع المادة (2) من قانون الإثبات لسنة 1983 وأنه يستحيل التوصل إلي وجود بينة مبدئية من واقع يومية التحري وحده – قول غير سديد ولا يمثل القانون المعمول به ما جرى عليه العمل القضائي
ألاحظ أن قاضي الجنايات ومن بعده محكمة المديرية ومن بعدها محكمة الاستئناف يتحدثون عن الكفالة أو التعهد تحت المادة 271 (2) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1983 وعن إيداع المبلغ الذي قد يحكم به تحت المادة 271 (2) من ذات القانون وقد اغفلوا التعديل الوارد بتاريخ 24 شعبان 1405هـ الموافق 14/5/1985م وفي البند الثاني من المادة 271والذي طرأ عليها في قرار المجلس العسكري الانتقالي رقم (69) لسنة 1405هـ والذي جعل المادة 271 (2) من قانون الإجراءات الجنائية تقرأ كالآتي:
(على الرغم من أحكام الفقرة (1) لا يجوز إطلاق سراح المتهم بالضمان إذا كانت الجريمة متعلقة بالمال العام أو الخاص أو بدية أو حق لأي شخص مضرور إلا إذا قام المتهم :
أ/ بإبراز وثيقة التأمين أو الضمان أو
ب/ رهن عقار لصالح المجني عليه أو
ج/ إبراز خطاب معتمد من مصرف ثبت فيه وجود ودائع له لدى المصرف مع التزام المصرف بحجزها وعدم التصرف فيها إلا بإذن المحكمة أو
د/ إبراز خطاب معتمد من الجهة التي يعمل بها تتعهد فيه بدفع المبلغ الذي قد يحكم به ضده)
فقد راعى المشرع بذلك التعديل على نص المادة 271 (2) من قانون الإجراءات الجنائية الظروف المادية والمشقة التي يعانيها المتهم بجريمة تتعلق بالمال العام أو الخاص أو بدية أو بحق لأي شخص مضرور و ألغى الأمر بعدم إطلاق سراح ذلك المتهم بالضمان حالة تلك الجريمة بتلك الصفة إلا بعد إيداع مبلغ من المال يساوى أي مبلغ قد يحكم به ضد المتهم كتعويض أو دية عند الإدانة واستعاض عن ذلك بالضمانات الأربعة المشار إليها في المادة 271 (2) من قانون الإجراءات الجنائية المعدلة
ففي البلاغ الذي بين أيدينا يجب إلا يطلق سراح المتهم المذكور بالضمان إذا كانت الجريمة متعلقة بالمال عام أو خاص أو بحق مضرور إلا إذا أوفى بشروط الفقرتين الأولي والثانية معاً في المادة 271 من قانون الإجراءات الجنائية ولا يجوز إطلاق سراحه بالضمان فقط إذا أوفي بشروط واحدة من الفقرتين دون الأخرى ففي القضية الدستورية م ع/ط ت/8/1407هـ مجلة الأحكام القضائية لسنة 1987م ص 388 التي طلب النائب العام فيها تفسير نص المادة 273 (2) من قانون الإجراءات الجنائية سنة 1983 قضت المحكمة العليا الدائرة الدستورية بأن البند (1) من المادة 271 من قانون الإجراءات الجنائية سنة 1983 اشتمل على إمكانية إطلاق سراح المتهم بكفالة أو تعهد لحين مثوله أمام جهات التحري أو التحقيق أو المحاكمة – ولا تأثير للفقرة الثانية من ذات المادة على الفقرة الأولي- إذ لا يصح الإفراج عن المتهم حتى لو أوفى بشروط الفقرة الثانية إلا إذا قدم الكفالة اللازمة لحضوره متى ما طلب منه ذلك بمقتضى الفقرة الأولى وقد جاء في مستهل الفقرة الثانية من المادة 271 من قانون الإجراءات الجنائية تعديل 1405 هـ ما يلي:
(على الرغم من أحكام الفقرة (1) لا يجوز إطلاق سراح المتهم بالضمان إذا كانت الجريمة متعلقة بالمال العام أو الخاص أو
نستكمل بحول الله

محكمة استئناف الإقليم الشرقي

القضاة:

السيد/يوسف عثمان بشير                              رئيساً

السيد/عبد الرؤوف حسب الله ملاسى                 عضواً

السيد/عبد العزيز الرشيد                             عضواً

حكومة السودان / ضد / عثمان محمد الحاج

النمرة م أ / أ س ج /19/1990م

المبادئ:

إجراءات جنائية/ تقديم أي ضمان أخر خلاف الرهن العقاري جائز إذا وافق عليه الشخص المضرور المادة 271/2أج

إجراءات جنائية / الرهن العقاري كشرط لضمان المتهم ليس بالضرورة أن يكون العقار مملوكا للمتهم المادة 271/2 أج

1- يجوز بخلاف الرهن العقاري الضمان عن طريق الحجز للعقار أو المنقول أو رهن المنقول الخ إذا وأفق عليه المضرور المقرر الضمان لصالحه

2- الأصل أن يرهن المتهم عقاره إن لم يجد فيجوز قبول رهن عقار الغير لمصلحته كما أن الأصل أن يضمن حساب المتهم البنكي الوفاء بما قد يحكم به وإن لم يجد فيجوز قبول التزام الغير من حسابه لصالح الإدعاء

المحامي: الأستاذ عوض الله إبراهيم

الحكم:

القاضي : عبد الرؤوف حسب الله ملاسى :

التاريخ:6/3/1990م

يستأنف الأستاذ عوض الله إبراهيم المحامي ضد قرار محكمة المديرية القاضي في أ س ج /21/1990بالغاء قرار قاضي الجنايات بإطلاق سراح المتهم بالضمانة مقابل حجز العقار رقم 55/ مربع (4) الثورة باسم المواطن (محمد الحاج) بوصفه ضامن المتهم – وأمر بإعادة القبض على المتهم وإعادة الإجراءات لقاضي جنايات للنظر في متطلبات الضمانة تحت المادة 271 إجراءات جنائية تعديل سنة1989 ويدور محور الطلب في النقاط التالية :-

أولا: فتح البلاغ في مواجهة المتهم على أساس خيانة الأمانة بالنسبة لمبلغ 76ألف جنيه تحت م 348ع – وتقدم المتهم بطلب للإفراج بالضمانة مقابل رهن عقار والده الذي وافق على ذلك – بموجب ذلك تم حجز العقار – كشرط للضمانة وصدر الأمر بإطلاق سراح المتهم بالضمانة وهو القرار الذي ألغته محكمة المديرية

ثانياً: استندت محكمة المديرية في إلغاء الضمان على أساس :-

(أ) أن العقار المراد رهنه يشترط أن يكون مملوكا للمتهم

(ب) أن الرهن العقاري يستتبع اتخاذ إجراءات الرهن المعروف في قانون

ورغم قناعة محكمة المديرية أن إجراءات الرهن ترتب صعوبات عملية كثيرة في مواجهة المتهم وأن فيه إضرار بالمتهم إذا برئت ساحته بعد اتخاذ هذه الإجراءات لأن رسم الرهن لن ترد إليه إلا أنها رأت وجوب الالتزام بحرفية النص القانوني ورغم ثبوت منافاته للعدالة

ثالثا: بالنظر في مسألة ( وجوب الرهن لعقار مملوك للمتهم) فإنها تعني التشدد بلا سند لأنه ليس كل متهم مالك لعقار يرهنه وبالتالي فالحجز على العقار ومنع التصرفات فيه كاف للإيفاء بالشرط الوارد علي الضمانة طالما ارتضي الشاكي ذلك وصاحب العقار ذلك وخاصة أن قيمة العقار تفوق قيمة المبلغ محل البلاغ إذ تصل قيمته إلى 200000جنيه (مائتي ألف جنيه)(ومن محصلة طلبه يلتمس التدخل وإعادة قرار محكمة الجنايات)

وفي تقديري أن الطلب يتعين قبوله لما يلي:

أولا:

قبل الدخول في المناقشة حول نص م 271 إجراءات جنائية تعديل سنة 1989 أرى ضرورة إيضاح الأساس الذي ارتكزت عليه محكمة المديرية في قرارها فيما يلي:

(1)     الواضح أن محكمة المديرية ترى أن التشريع قد تشدد في قبول الضمانة بالنسبة للجرائم المتعلقة بمخالفات محددة مرتبطة بالمال العام والخاص أو الدية أو التعويض عن أي ضرر وبالتالي قيد الضمانة بإجراءات محددة على سبيل الحصر ومنها مسألة رهن العقار الخاص بالمتهم لصالح المضرور أو المجني عليه

(2)     رأت محكمة المديرية أيضا أن الرهن بالطريقة التي نص عليها القانون لرهن العقار أمر وجوبي وبالتالي فالحجز للعقار ومنع التصرف فيه مخالفة لنص القانون ومخالف لما قصد إليه المشرع من النص وفقا لنص م (6) من قانون تفسير القوانين سنة  1974

(3) مجرد وجود صعوبات عملية في الرهن لا يبرر مخالفة النص القانوني

ثانيا:بالنظر في نص المادة 271 بفقرتيها (1) و (2) فالمشرع وضع في الفقرة الأولى الشروط العامة لقبول الضمانة ( وهي أن الإفراج بكفالة لا يضر بسير التحري وأن الإفراج لا يترتب عليه احتمال هروب المتهم من وجه العدالة ) –ووضع الفقرة (2) الشروط الخاصة لاطلاق السراح بالضمانة في نوع معين من الجرائم بالتمعن في النص نجد الآتي:

(أ)   أن الفقرة(أ) متعلقة بالجرائم تحت م 362 (ب ج ) من قانون العقوبات سواء إذا كان المال خاصا أم عاما يتطلب الإفراج بالضمان( إيداع مبلغ من المال يغطي ما قد يحكم به من تعويض)(ب) أن الفقرة (ب) وهي خاصة بجرائم المال الأخرى أو المتعلقة بحقوق الدية أو حق لأي مضرور تقيد للضمانة بالشروط الواردة  فيها وقد جاء اللفظ ( ما لم يقم هو أي المتهم ):(1)             أن يبرز المتهم وثيقة تأمين أو الضمان(2)             أن يرهن المتهم عقاره لمصلحة المجني عليه (3)     إبراز خطاب معتمد من بنك بأن لديه ودائع لدى البنك تغطي الالتزام المعني مع التزام البنك بحجزها تحت تصرف المحكمة الخ والحالة المعروضة أمامنا مرتبطة بالمادة 271 (2) الفقرة (ب)

ثالثا:في تقديري أن النص يبدو في ظاهره ولأول وهلة كأنه يضع شروطا على سبيل الحصر ولا يجوز قبول ما عداها ولكن بالتمعن في النص على ضوء مقاصد التشريع على ضوء م (6) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة أرى أنها ليس بقيود على سبيل الحصر ولما يلي :(1)     المعلوم لنا قانوناً ووفقاً لأحكام قانون تفسير القوانين و النصوص العامة أن المشروع عندما يضع نصاً قانونياً يضع في اعتبار المقصد العام من النص وهو انطباق النص على الكافة وليس على فئة بعينها أو على أفراد بصفتهم أو عينهم إلا نص صرح بذلك(2)     المعلوم لنا قانوناً أن الناس تتفاوت قدراتهم والتزاماتهم القانونية والشخصية – وأن الأصل قانوناً أن المتهم بريئ حتى تثبت إدانته وأن الأصل أيضاً براءة الذمة وعلى مدع العكس إثباته وأن الأصل أيضاً أن الناس متساوون أمام القانون وإجراءاته وتبعاً لذلك فلا يعقل أن يضع التشريع نصاً علي سبيل الحصر يفرض التزامات لا يتساوى فيها كل الناس فالتشريع يعلم أنه ليس لكل شخص لا بد أن يكون مالكاً لعقار كما أنه ليس كل شخص مالك لعقار مسجل إذ قد يكون عقاراً ليس مسجلاً ملك منفعة أو بالحيازة كما أنه ليس لكل شخص حساب أو ودائع في بنك أو أنه عميل لبنك يضمن الوفاء عنه كما أنه ليس كل شخص لابد أن يكون عاملاً في خدمة مصلحة معينة تضمن الوفاء عنه إذ أن هناك من يعمل لخدمة نفسه كالمزارع مثلاً وبالتالي فإذا نظرنا إلي النص بهذه الضيقة لكان التفسير لمقاصد التشريع أنه أراد إعطاء حق الضمانة كميز لفئة معينة من الناس دون غيرهم أي تميز أفراداً على أفراد في المجتمع فالذي يملك هو يستحق الضمانة والذي لا يملك فلا حق له في الضمان ومن يملك عقاراً أو حساباً في بنك له الحق في الضمانة ومن تحمي ظهره مصلحة أو هيئة اعتبارية له حق الضمانة أما من لا يملك كل ذلك فيلقى محبوسا إلي حين المحاكمة والتي قد يبرأ فيها بعد كل هذه المكابد ومن ثم فبالنظر إلى قصد التشريع فإنه حتماً لم يرمي إلي ذلك فالمشرع عندما يضع نصاً فالواجب تغليب المقصد العام للتشريع وليس المقصد الخاص إلا بالنص عليه صراحةً لأن الأصل أن التشريع يرمي إلي مقصد عام وشامل ما لم يتضح مقصد مخالف وصريح والتشريع عندما يضع نصاً أو نصوصاً قانونية فإنه يضع شمولية النص على الكافة بلا تمييز أو استثناء وإذا أراد أن يضع نصاً خاصاً يميز بين الناس وهو الاستثناء فإنه ينص عليه صراحة وعلى سبيل الجزم وفيما عدا ذلك فالأصل هو تتبع المقصد العام للمشرع وليس المقصد الخاص هو ما رمت إليه المادة (6) من قانون تفسير القوانين والنصوص العامة سنة 1974 (تفسير نصوص أي قانون بما يحقق الغرض الذي شرع من أجله ويفضل في جميع الحالات التفسير الذي يحقق هذا الغرض على سواه )والسؤال الذي يطرح نفسه تبعاً لذلك هو ما هو الغرض الذي شرع من أجله نص م 271 الفقرة (2) تعديل سنة1989م والإجابة واضحة في أن التشريع أراد حماية حقوق أي مضرور وفقاً للقاعدة الشرعية ( الضرر يدفع بقدر الإمكان – وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه ) وفي نفس الوقت راعى التشريع حقوق الجانب المتهم ( الذي يعتبر برئياٌ حتى تثبت إدانته ) بتقييد حماية المضرور بشرط توافر استدلالات كافية في التحري تبرر إحالة المتهم للمحاكمة ( وتبرر توافر أساس معقول للاتهام الموجه ضده بما يبرر تقديمه الضمان لحق المضرور – وهذا واضح من نص المادة 271 الفقرة (3) التي تقول ( يراعى تطبيق البند (2) وجود بينة مبدئية ضد المتهم)

ورغم أن التشريع أورد لفظ (بينة) والمعلوم أن يومية التحري ذاتها ليست بينة لأنها مجرد محضر لجمع الاستدلالات والوقائع التي ستقدم عند المحاكمة إن كانت بينة مقبولة أم لا إلا أن التشريع يقصد من اللفظ أن استدلالات التحري كافية لتشكيل ما يمكن أن يكون بينة مقبولة عند المحاكم كالشهود والمستندات والإقرار غير القضائي الخ   وتوافر هذه الاستدلالات كافٍ لتبرير تقديم ضمان لصالح المضرور – وعموماً فغرض التشريع هو أن يتوافر أساس كاف ومعقول لتبرير صحة الاتهام بما يبرر إلزام المتهم خلال تلك المرحلة بضمان يفي بما يترتب عنه الاتهام وهذا هو المقصد والغرض العام من النص والذي يجب أن يدور حوله التفسير على ضوء المقصد الخاص بأن المشرع قد قصد أن يكون الضمان بالنسبة لرهن العقار أو ودائع بنكية كشرط أساس أن يكون عقاراً للمتهم ذاته وأن يكون الحساب والودائع ودائع المتهم ذاته فالتشريع لم يرم إلي هذه الخصوصية في حد ذاتها لأن الغرض العام والأساس هو ( ضمان حق المضرور ) وليس إذلال المتهم في شخصه أو إكراه بما يتنافى مع القاعدة الأصولية “المتهم برئ حتى تثبت إدانته ” ومن ثم فطالما أن الغرض العام من التشريع هو ( حماية حق المضرور في حيز ما أصابه من ضرر ) وأن مصلحة ( المضرور في أن يتوافر له الضمان الكافي لحق المدعى به ) وليس مجرد إكراه المتهم فإن التفسير الصحيح لهذا النص على ضوء الغرض العام هو :

أن التشريع جعل الإلزام برهن العقار على المتهم الذي يملك عقاراً يقبل الرهن فعلاً وجعل الإلزام في خطاب الضمان البنكي من حساب المتهم إن كان له حساب فعلاً الخ بمفهوم أغراض النص فمن لا يملك عقاراً خاصاً به لا يمنع أن يرهن الغير لصالحه أي عقار كما أن من لا يملك حساباً لا يمنع النص من أن يضمنه الغير الذي له ودائع أو حساب بالبنك لأن المقصد ضمان الحق الخاص بالمضرور وليس إكراه المتهم في شخصه كما أن من لا يعمل في خدمة مصلحة أو شخص اعتباري ليس هنالك ما يمنع أن يضمنه في الوفاء أي شخص اعتباري وحتى إن كان لا يعمل في خدمته طالما كان الشخص الاعتباري ضامناً للوفاء بالحق المدعى به وأبسط مثال أسوقه لمسألة الرهن التأمين أن المشروع نص على وجوب أن يكون العقار عقار المدين إلا أنه أجاز أيضًا أن يرهن الغير عقاراً لمصلحة المضرور( انظر من 729 (1), (2) معاملات 84 التي تقول :(1)             يجب أن يكون الراهن مالكاً للعقار المرهون أهلاً للتصرف فيه(2)             يجوز أن يكون الراهن نفس المدين أو كفيلاً عينياً يقدم رهناً لمصلحته

وهذا يعني أن الأصل في الرهن أن يكون على (عقار المدين) إن كان له عقار فعلاً وعلى عقار غيره متى كان المتهم لا عقار له طالما أن الغير برضائه يكفل المدين في الحق المدعى به كما لو كان هو المدين

وعليه أخلص الآتي:(أ‌)     أن الغرض العام من التشريع هو الواجب الاتباع عند التفسير حسب منطوق م (6) من قانون تفسير القوانين سنة 1974م( الغرض الذي شرع من أجله القانون أو النص)

(ب‌)   بالنسبة لعناصر م 271(2) فالفقرة أولاً: الخاصة بالتامين والضمان هو نص خاص بمخالفات حركة المرور الذي نص صراحة علي وجوب التأمين والضمان – وفي هذه الحالة يكون إبراز التأمين أو الضمان المنصوص عليه في م (58-59-60) كاف لايفاء الشرط المطلوبة للضمانة لأن التأمين يغطي حق المضرور – أما الفقرة ثانياً  وثالثاً ورابعاً فالأصل أن الراهن يرهن عقاره وإن لم يجد فيجوز قبول رهن عقار الغير لمصلحته كما أن الأصل أن يضمن حساب المتهم البنكي الوفاء بما قد يحكم به إن لم يوجد فيجوز قبول التزام  الغير من حساب لصالح الإدعاء الخ

رابعا رابعاًأما بالنسبة ( لحالة حجز العقار) فاتفق مع محكمة المديرية في أنه لا أساس له ولما يلي :

(1)   من الوجه القانونية فوضع الإعلان التحذيري في السجل لا يعد حجزاً لأن الإعلان التحذيري  المسمي بـ782caution وفقاً لأحكام قانون تسوية الأراضي وتسجيلها هو مجرد منع من التصرف في العقار لمدة محدودة ومعلومة ولا يفي بالغرض لأنه يحتاج لأنتهاء مدة التحذير أن يحدد كل فترة وهذا بالإضافة إلي أن الإعلان التحذيري لا ينشئ اعتباراً عينياً على العقار كدين ممتاز وهو ما يمتاز به الرهن التأميني هذا بالإضافة إلي أنه عند تفسير النص التشريعي يجب أن يكون التفسير في إطار النص وليس تجاوز ما يرمي إليه النص صراحة فالمشرع استخدم لفظ ( رهن- خطاب ضمان – وثيقة تأمين الخ) فهذه الألفاظ لها تعريفها ومعناها القانوني المحدد ولا يجوز تفسير رهن مثلاً بأنه حجز أو وثيقة تأمين بأنها عقد عاديالخ

 خامسا:  نقطة أخيرة أرى ضرورة التعرض لها وتنقسم إلي شقين:(1)     ضرورة تسجيل الرهن وضرورة أن يكون العقار المراد رهنه مسجلاً وما يترتب على التسجيل من رسوم تقع على عاتق المتهم الراهن

(2)     إمكانية تقديم أي ضمان آخر خلاف الرهن كإيداع مبلغ يعادل ما قد يحكم به أو تقديم رهن حيازي بمنقول أو رهن تأميني على المنقول

بالنسبة للنقطة الأولي ضرورة تسجيل الرهن أو أن العقار المراد رهنه لا بد أن يكون مسجلاً فهذه المسألة حسمها التشريع صراحة قانون المعاملات في م 728, 279 معاملات سنة 1974 أما بالنسبة للنقطة الثانية فأرى الآتي:

(1) كما سبق وأسلفت فالمفروض التتبع لمقاصد التشريع الغرض الذي شرع من أجله وهو ( ضمان حق المضرور عند الحكم لصالحه فإذا كان التشريع يجيز قبول الضمان في الدعاوى التي عقوبتها الإعدام أو الدية إذا وافق أولياء الدم أو الطرف المضرور (م 272) إجراءات في مفهوم روح التشريع والنص فما هو الذي يمنع قبول رهن المنقول أو إيداع المبلغ أو أي ضمان آخر كاف يوافق عليه المضرور الخ فطالما أن الحق قد شرع لمصلحته فمن حقه أن يوافق على الضمان الذي يفي بذلك الحق فقد يستحيل على المتهم إحضار من يرهن عقاره أو – يضمنه لحسابه في البنك أو قد لا توافق المصلحة التي يعمل بها على ضمانته في الوفاء بما قد يحكم به وفي هذه الحالة لن يستفيد المضرور شيئاً من بقاء المتهم في الحراسة وحتى المحاكمة لأن حقه لا ضمان له وبالتالي فإن وجود أي ضمان آخر يقبله يكون كافياً للإيفاء بمقاصد التشريع وعليه أرى أنه يجوز قبول الضمان بتقديم أي ضمان آخر خلاف المنصوص عليه متى وافق عليه الطرف المضرور أو المقرر لصالحه الضمان وفي هذه الحالة لن يستفيد المضرور شيئاً من بقاء المتهم في الحراسة وحتى المحاكمة لأن حقه لا ضمان له وبالتالي فإن وجود أي ضمان آخر يقبله يكون كافياً للإيفاء بمقاصد التشريع وعليه أرى أنه يجوز قبول الضمانة بتقديم اي ضمان آخر خلاف المنصوص عليه متى وافق عليه الطرف المضرور أو المقرر لصالحه الضمان وفي هذه الحالة تجوز الضمانة بمجرد الإعلان التحذيري  في سجل العقار إذا وافق عليه المضرور كما تجوز الضمانة برهن منقول أو عقار غير مسجل برهن حيازي متى وافق عليه المضرور بموجب م 785 معاملات 766 معاملات وأيضاً يحجز العقار حجزاً مدنياً أو حجزاُ على منقول حجزاً مدنياً تحت م (245 255) إجراءات مدنية إذا وافق عليه المضرور على أساس أن أية مسألة لم يرد بشأنها نص في قانون الإجراءات الجنائية سنة 1983م تسري عليه أحكام م (3) من قانون الإجراءات المدنية 1983 والتي تقول : الفقرة (1):

يطبق هذا القانون على الإجراءات المتعلقة بالمسائل المدنية ومسائل الأحوال الشخصية وعلى الإجراءات المتعلقة بغيرها من المواد فيما لم يرد بشأنها نص في قوانين أخرى

وبمعني آخر فإن أي إجراء لم يرد بشأنه نص في قانون الإجراءات الجنائية تسري عليه أحكام قانون الإجراءات المدنية باعتباره القانون الإجرائي الأم لكل القوانين الإجرائية جنائية أم مدنية ( انظر السوابق عليا / فحص /232/88 غير منشورة و م ع / م ك 123/1983 محاكمة صديق الختم مكين)وعليه أرى أن يجوز قبول الضمان عن طريق الحجز للعقار أو المنقول أو رهن المنقول الخ إذا وافق عليه المضرور المقرر الضمان لصالحه قياساً على نص م 272 إجراءات التي تجيز الضمان في دعاوى الدية أو القصاص إذا قبله أولياء الدم أو المضرور

وعلى ضوء ما تقدم نري إلغاء قضاء محكمة المديرية وإعادة الأوراق على هدي هذه المذكرة على أن يبقي المتهم بالحبس لحين إيفاء متطلبات الضمان السالف ذكرها في هذه المذكرة

القاضي : يوسف عثمان بشير

التاريخ: 10/3/1990

أوافق

القاضي : عبد العزيز الرشيد

التاريخ: 10/3/1990

أوافق

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: غير مسموح