إستكمال ملخص قانون الاجراءات الجنائية – منو يعمل شنو، كيف ومتين؟

السلام عليكم ورحمة الله:

يبدو أن البعض انتظر كثيرا استكمال الموضوع واستجابة ولحقيق الفائدة نواصل بإيراد أحكام تطبيقية لتوضيح الفكرة و لا زلنا في أمر منو يعمل شنو..يعنى الاختصاص لمنو؟ وإذا ما في اختصاص الأثر شنو؟ وإن كان والكيف غلط البصححه منو وكيف؟

هل المحاكم العادية تختص بمحاكمة العسكريين؟ وما أثر المنشور 19؟

المحكمة العليا

القضاة :

سعادة السيد/ أحمد جعفر حامد           قاضي محكمة عليا              رئيساً

سعادة السيد/ يوسف دفع الله            قاضي محكمة عليا              عضواً

سعادة السيد/ إمام البدري علي          قاضي محكمة عليا              عضواً

حكومة السودان ضد توفيق تيه مركز

النمرة : م ع /م ك/ 148/ 1990

المبادئ:

إجراءات جنائية – المحاكم العسكرية والمحاكم العادية – المنشور الجنائي 19 لا يسلب المحاكم العادية الاختصاص – عدم اتباعه لا يلغى بالضرورة الإجراءات القضائية

ليس في المنشور الجنائي رقم 19 أو قانون قوات الشعب المسلحة لسنة 1405هـ نصا يسلب المحاكم العادية اختصاصها الطبيعي من نظر القضايا التي يواجه فيها عسكريون اتهاماً تحت ظل قانون العقوبات أو أي قانون آخر ولا يترتب عليها في المنشور 19 أي إلغاء لما تم من إجراءات قضائية إلا إذا لحق بالمتهم ضرر مهما كان نوعه في دفاعه ليس في المنشور الجنائي

الحكم:

القاضي : يوسف دفع الله

التاريخ : 3/2/ 1991م

في 1/6/ 1990م فتح المدعو عبد الله إدريس كنه البلاغ 6354 /90 قسم شرطة أمبدة يفيد بأن المتهم توفيق تيه مركز طعنه في بطنه وأحيل المجني عليه للمستشفى ولكنه توفي بها في اليوم التالي بسبب تلك الطعنة بعد الوفاة وفي 2/6/90 كتب المتحري تقريراً للسيد مدير شرطة منطقة أمدرمان ذكر فيه أن المتهم يعمل وكيل عريف بالسلاح الجوي بقوات الشعب المسحة وأن القتيل يعمل وكيل عريف شرطة الاحتياطي المحلي، فيي2/6/90 ذهب المتحري إلى القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة واستلم المتهم من الضابط المناوب للتحري (انظر ص 7 من يومية التحري) بعد ذلك تم تلخيص البلاغ وقدم للنيابة العامة التي أوصت بتحويل المتهم للمحاكمة وقد تم ذلك وأدين المتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات وحكم عليه بالإعدام

أمامنا استئناف من فرع القضاء العسكري لقوات الشعب المسلحة يعترض فيه على عدم اخطارهم بالحادث طبقاً للمنشور الجنائي 19/ الذي بموجبه يحق لهم بعد الإطلاع على الأوراق أن يختاروا بين محاكمة المتهم أمام محكمة عسكرية أم محكمة عادية وانتهى إلى طلب إلغاء الإدانة والعقوبة

بالإطلاع على الأوراق وجدت أن المتحري لم يخطر قائد المتهم أو أية جهة أخرى من جهات قوات الشعب المسلحة بالحادث وهذا يتنافى مع الإلزام الذي يفرضه المنشور الجنائي 19 وذلك لأن السلطة العسكرية لها اختصاص لمحاكمة هذا المتهم بموجب م 72 و 73 من قانون قوات الشعب المسلحة لسنة 1406هـ وبمعنى آخر فإن الاختصاص الأصلي ينعقد للمحاكم العسكرية إذا كان الجاني أحد أفراد قوات الشعب المسلحة كما في مثل هذه الحالة، لابد من الإشارة إلى أن قانون العقوبات يعتبر القانون العام فإذا ما استثنى قانون آخر شيئاً منه واختص به يكون الاختصاص للقانون الخاص لأن القاعدة أن الخاص يقيد العام فيما ورد التخصيص بشأنه فالمادة 72 من قانون قوات الشعب المسلحة تنص على أنه ” يعتبر مرتكباً مخالفة لأحكام هذا القانون كل شخص خاضع لأحكامه يرتكب أي مخالفة يعاقب عليها بمقتضى قانون العقوبات لسنة 1983م أو أي قانون آخر ” ،وتنص الفقرة (2) من المادة المذكورة أعلاه على أنه :

“لا يؤثر على سلطات المحكمة العسكرية لمحاكمة أي شخص وعقابه بموجب هذه المادة أن المخالفة المعاقب عليها بمقتضى قانون العقوبات لسنة 1983م التي اتهم بها ذلك الشخص هي أيضاً مخالفة عسكرية

لهذا أرى أن المحكمة العادية لا ينعقد لها الاختصاص إلا بعد أن تختار سلطات قوات الشعب المسلحة المحكمة العادية للمحكمة وهذا ما يشير إليه المنشور الجنائي 19 المنظم للاختصاص حسبما ورد بقانون قوات الشعب المسلحة اخلص إلى أن النقطة القانونية التي نحن بصددها هي (الاختصاص) وليس مسألة إجرائية بحتة

لهذه الأسباب أرى أن نلغي الإدانة والعقوبة ويظل الجاني بالحراسة ويحال مع الأوراق لقوات الشعب المسلحة

القاضي : أحمد جعفر حامد

التاريخ : 31/3/1991م

مع احترامي أجد نفسي على اختلاف تام مع الزميل يوسف أن القول بما رآه وطلبه استئناف فرع القضاء العسكري يعني تعريض هيبة المحاكم الطبيعية واستقلالها إلى هزة لا مبرر لها أن الأصل في إقامة العدالة هي المحاكم الطبيعية التي أنشئت بموجب الدستور ونص عليها قانون الإجراءات أما المحاكم الخاصة أو الاستثنائية التي ينص عليها قانون خاص فلا سلطان لها لإلغاء أحكام المحاكم الطبيعية إلا إذا نص على ذلك صراحة المنشور الجنائي 19 الذي أشار إليه الزميل لا يعدو أن يكون  منشوراً توجيهياً وليس إلزامياً طالما أنه لم يضمن كنص في القانون قانون الإجراءات الجنائية لم ينص على استبعاد محاكمة أشخاص بعينهم بواسطة المحاكم الجنائية المدنية لصفتهم المهنية والمادة 4 من هذا القانون تتيح للمحاكم الطبيعية محاكمة كل مخالفة تحت قانون العقوبات أو أي قانون آخر مع مراعاة ( أي تشريع ساري المفعول ينظم كيفية أو مكان التحري أو التحقيق أو المحاكمة) فهل هناك تشريع ساري المفعول يستثنى محاكمة أفراد القوات النظامية من المحاكمة أمام المحاكم العدلية الطبيعية؟ إن قانون الإجراءات الجنائية لم يقل بهذا وكذلك قانون القوات المسلحة وغني عن الذكر أن المنشور الجنائي 19 ليس بتشريع في المعنى الذي أشارت إليه المادة (4) أعلاه وبالتالي فإن وجود منشور يلزم الشرطة والمحاكم بإخطار السلطات العسكرية بأن أحد أفراد القوات المسلحة يواجه اتهاماً أمام محكمة مدنية ويخير هذه السلطات بين أن يحاكم أمام المحاكم العدلية الطبيعية أم أن يحاكم أمام محكمة عسكرية لا يعني أن تشريعاً قد صدر يسلب المحاكم المدنية اختصاصها الطبيعي من أن تنظر في القضايا التي يواجه فيها عسكريون اتهاماً تحت ظل قانون العقوبات أو أي قانون آخر كما أن وجود نص في قانون القوات المسلحة يوضح أن سلطات المحاكم العسكرية تشمل محاكمة العسكريين المخالفين لمواد قانون العقوبات لا يعد تشريعاً سالباً لصلاحيات المحاكم العادية الطبيعية أو محداً من اختصاصها

من الواضح أن هناك خلطاً بين (الإجراءات) الأولية التي تقرر المنشور ضرورة اتباعها قبل تقديم أفراد القوات المسلحة للمحاكمة أمام المحاكم الطبيعية وبين (اختصاص) المحاكم العسكرية بعد تشكيلها وقيامها إن الإجراءات الأولية (الإخطار وطلب خيار إجراء المحاكمةة  إذا لم تتبع لا يترتب عليها أي إلغاء لما تم من إجراءات قضائية إلا إذا لحق بالمتهم أي ضرر مهما كان نوعه في دفاعه وهذا وحده كاف لكي يؤدي إلى إلغاء المحاكمة وفق قانون الإجراءات الجنائية (المادة 243) ولا اعتقد أن المتهم في هذه القضية يمكن أن يقال عنه أن أضير في دفاعه بسبب أن محكمة طبيعية تولت محاكمته ولم تفعل ذلك محكمة عسكرية مختصة غير أنه إذا شكلت محكمة عسكرية لمحاكمته وفق قانون القوات المسلحة قبل محاكمته أمام القضاء الطبيعي وطلبت أن تتولى هي محاكمته فلا شك أن الاختصاص ينعقد لها طالما أنها شكلت بموجب قانون خاص أفرد لهذه المحاكم العسكرية الاختصاص لمحاكمة أفراد القوات المسلحة بيد أنه لا يمكن أن يقال أن الاختصاص قد انعقد للمحاكم العسكرية قبل أن تشكل هذه المحاكم لمجرد أنه هناك منشوراً جنائياً يلزم المحاكم بإخطار الجهات العسكرية التي يتبع لها المتهم بوقائع البلاغ ضد المتهم

لا أظن أن الزميل يوسف يرى أن مجرد حق الخيار بل حتى مجرد احتمال قبول محاكمة المتهم أمام محكمة عسكرية هو في حد ذاته اختصاص لتلك المحكمة التي لم تشكل بعد لأن هذا مع احترامي يعد رأي بعيد الاحتمال والنتيجة لأننا حين نتحدث عن الاختصاص يجب أن تكون مقارنتنا بين محكمتين قائمتين فعلاً لمحاكمة هذا المتهم في حالتنا هذه فإن هناك محكمة واحدة قائمة وهي المحكمة  الطبيعية التي حاكمته أما الثانية ذات الاختصاص فهي في رحم الغيب قد يصدر أمراً بإنشائها لمحاكمة هذا المتهم أو قد لا يصدر، لقد  درجت محاكمنا الطبيعية في كثير من قراراتها على احترام هذا المنشور الجنائي 19 طالما أنه لا يخل بأسس العدالة ولا يناقض نصاً من القانون وكان من الممكن أن يكون الأمر مفهوماً إذا وصل طلب فرع القضاء العسكري قبل المحاكمة يلتمس إحالة الأمر لهم لمحاكمة المتهم وفق قانون القوات المسلحة وفي الغالب ستكون هناك استجابة من المحكمة إلى ذلك غير أن الانتظار لحين انتهاء المحاكمة وصدور الحكم ثم تقديم مثل هذا الطلب لا يجب في تقديري أن يجد القبول لأن قانون الإجراءات قد أوضح على سبيل الحصر السبل التي يمكن أن يلغى بها الحكم أو يعدل أو يؤيد وليس من بينها عدم اتباع إجراء معين من الشرطة أو المحكمة أو حتى بسبب تشكيل محكمة أخرى جديدة مختصة ستتولى محاكمة هذا المتهم من جديد، أن المادة 243 من قانون الإجراءات الجنائية تمنع السلطة الاستئنافية أو المؤيدة من (التعرض لأي قرار أو عقوبة أو أي أمر آخر أصدرته المحكمة لمجرد الاستناد إلى أو إلى وجود عيب في الإجراءات ما دام المتهم لم يضر في دفاعه وكان القرار أو الحكم أو الأمر سليما) من المسلم به أن الإجراءات التي نص عليها المنشور 19 لم تتبع من الشرطة ثم من المحكمة ولكن هذا يعتبر مجرد (إجراءات) يمكن التقاضي عن إغفالها وعدم التقيد بها بنص المادة 243 من قانون الإجراءات الجنائية طالما أن المتهم لم يضر في دفاعه لقد لاحظت أن المتحري مباشرة بعد الحادث الذي وقع في يوم 1/6/1990م ذهب للقبض على المتهم ولكنه دون على صفحة (4) من يومية التحري أنه لم يجد المتهم بمنزله وأنه علم من زوجته أن المتهم ذهب ليسلم نفسه إلى وحدته بالدفاع الجوي وعلى صفحة 32 من المحضر قال المتهم أنه بعد الحادث سلم نفسه إلى وحدته وتم القبض عليه وعلى ص (7) من يومية التحري دون المتحري أنه ذهب للقبض على المتهم بالقيادة العامة ووجده هناك حيث تم استلامه من الضابط المناوب الساعة 4:15 مساء ودون المتحري على نفس الصفحة بأنه تم القبض على المتهم تحت القيد 3698 بتاريخ 2/6/1990م وقد ردد المتحري هذه المعلومات أمام المحكمة على اليمين (ص2) وهذا كله يوضح أن سلطات الجيش المختصة كانت على علم بما اتهم المدان بارتكابه وأنها سلمته للشرطة ليتم التحري وبعد ذلك بقي بحراسة الشرطة إلى أن قدم للمحاكمة فهل يعني المنشور 19 أن تبقى سلطات القوات المسلحة في الانتظار بعد أن تأخذ علماً بالجريمة المنسوبة إلى أحد أفرادها دون أي متابعة إلى أن يصلها إخطار رسمي من المحكمة المختصة كما يشير المنشور في تقديري أن المتابعة لموقف الجندي المتهم يساعد كثيراً على تقديم السلطات العسكرية لطلبهم في حقهم في المحاكمة في الوقت المناسب إذا ما فات على الشرطة والمحكمة اخطارهم أما الانتظار إلى أن تنتهي المحاكمة ثم تقديم مثل هذا الطلب ففيه كما ذكرت انتقاص غير مقبول من استقلال وهيبة القضاء الطبيعي وزرع الشك في مصداقية نهائية أحكامه طالما أن المتهم من أفراد القوات المسلحة أو الشرطة (التي أصبح يحكمها قانون مماثل) زيادة على كل هذا فإنه في تقديري الشخصي بالنسبة لهذه القضية أن مصلحة العدالة والثقة فيها تقتضي محاكمة هذا المتهم وهو جندي في القوات المسلحة أمام القضاء العادي لأن الاتهام الذي يواجهه هو قتله لرجل شرطة من قوة نظامية أخرى وهذا ادعى للبعد عن الشبهة وتوفير الجو العادل لإجراء المحاكمة أمام قضاء محايد مستقل حتى يحيط المحاكمة جو من الثقة ويشعر طرفا الخصومة بالطمأنينة

بقى بعد ذلك أن نتطرق إلى موضوع المحاكمة ونراجع البينات التي قدمت أمام المحكمة الكبرى وحيثيات المحكمة لنقرر ما إذا كانت الإدانة التي توصلت إليها المحكمة الكبرى للمتهم تحت المادة 251 من قانون العقوبات 1983م سليمة أم اكتنفها خطأ وكذلك العقوبة لقد اتضح من البينات المتاحة أن المدان كانت تربطه صلة وثيقة بالمرحوم حيث أسكنه معه في منزله ثم استضافه بعد أن أحضر المدان زوجته معه لفترة في منزله وبعدها أفرد له قطعة أرض مجاورة تخصه وساعده في بناء غرفة بها واستمر الحال معهما على هذا المنوال حتى ضبط المرحوم وفي وضع غير أخلاقي مع زوجة المدان الثانية الصغيرة وكانت زوجة المرحوم هي التي ضبطتهما تصرف المدان إزاء هذا الأمر بهدوء إذا أخطر أقارب وأصدقاء الطرفين بأنه لا يريد أن يتخذ أي إجراء ضد المدان ولكنه يطلب منه أن يرحل فوراً من أرضه المجاورة له والتي سبق أن منحها له وقد نفذ المرحوم ما طلب منه ورحل غير أنه رفع دعوى بعد فترة يطالب بأرضه مدعياً تعدي المدان عليها وكرد فعل قام المدان بتقديم شكواه ضد المرحوم وزوجته ويتهمهما بالزنا فيما بعد تنازل المدان والمرحوم

يوم الحادث جاء المرحوم وهو وكيل عريف شرطة إلى الأرض التي كان قد منحها له المدان ثم طرده منها وأخطر من وجده بأنه يرفض أن يأخذ أي شخص التراب من أرضه ولما كان المدان هو الشخص الذي قال أحد الشهود الحاضرين أنه يأخذ التراب من تلك الأرض فقد خرج من منزله هائجاً بعد أن سمع ما قاله المدان وقذفه بالحجر أصابه واشتبك معه حتى فرق بينهما شهود الاتهام (شاهد الاتهام الثالث) ارجع الشاهد المدان  إلى بيته وطلب من المرحوم الانصراف فانصرف المرحوم وهو يحمل سكيناً وكوريك بمنزل نفيسة وقذفه بالكوريك فما كان من المرحوم إلا أن أمسك الكوريك وضرب المدان فتلقى المدان الضربة بيده اليسرى ثم باليمنى طعن المرحوم على بطنه طعنة قوية قال الطبيب أنها أحدثت جرحاً نافذاً أدى إلى نزيف داخلي حاد بالشريان وإلى إعادة جروح عميقة بالإمعاء مما سبب هبوطاً حاداً بالدورة الدموية نتجت عنه الوفاة، ناقشت محكمة الموضوع جميع الاستثناءات المتاحة ولم تجد أن أياً منها ينطبق على ظروف الحادث وما وقع بين المدان والمرحوم اختصاراً للنقاش أجد أن ما يمكن أن يثار في صالح المدان من المرحوم مما أفقده السيطرة على نفسه والثاني هو دخوله في معركة مفاجئة مع المرحوم أسفرت عن تمكنه من قتل المرحوم الدفع الأول يعتمد على ما حدث من المرحوم في حق المدان عندما خانه مع زوجته وضبط متلبساً بشهادة إحدى النسوة والأجاويد من الرجال الذين كلفوا من المدان بترحيل المرحوم ولكن هذا حدث قبل فترة طويلة وحتى الدعوى الجنائية التي رفعها المدان ضد المرحوم كانت كرد فعل لمطالبة المرحوم بأرضه التي رحل منها وهي في الأصل تخص المدان   وقد تنازل المدان من دعواه الجنائية ضد المرحوم وزوجته وطلقها بهدوء وإن كان مثل هذا العمل من جانب المرحوم يمكن أن يثير ثائرة المدان فيفقده السيطرة على نفسه فكان المفروض أن يقع هذا مباشرة بعد علمه بالخبر من أهله ومن زوجة المرحوم واعتراف زوجته نفسها له كما قال ولكنه تصرف بهدوء وببرود ولم يبد أي تهور أو غضب وبالتالي فمن الصعوبة بمكان أن نقول أن هذا العمل يمكن أن يكون له تأثير بعد مضي هذه الفترة الطويلة على أعصابه بحيث يفقده السيطرة على توازنه ويجعله يسبب الموت لمجرد رؤيته للمرحوم يطالب بحقه في الأرض وفي ترابها

أما الدفع الثاني فإن ما حدث في اعتقادي لم يكن معركة فجائية بل كانت معركة من جانب واحد إذ أن المدان هو المعتدي فهو الذي قذف المرحوم بالحجارة ولم يفلح من تدخل لحجزهما من منعه من إصابة المرحوم بحجر وحتى بعد أن ادخل بيته وصرف المرحوم لحال سبيله تسلح كما أكد الشهود بسكين وكوريك وخرج يبحث عن المرحوم حتى وجده فقذفه بالكوريك وهو الأعزل ولما التقط المرحوم الكوريك ليدافع عن نفسه صرف المدان الضربة بيده اليسرى بينما طعن المرحوم الطعنة التي أودت بحياته لم تكن إذن هي المعركة المفاجئة التي لم يعد لها المدان عدته ويظهر فيها نيته المباشرة والملحة في تسبيب موت المرحوم

أرى أن نؤيد الإدانة إما عن العقوبة فإنني أرى أن المحكمة الموضوع اكتفت بسماع رأي الوكيل نيابة عن أولياء الدم فيما يختص بالقصاص بالرغم من أن أولياء الدم كلهم بأمدرمان ولم يمنعهم مرض أو عائق من مقابلة القاضي الذي يمكنه أن يحضهم على العفو ويحبب لهم أن تعذر العفو الصلح على الدية أسوة بعمل الرسول (ص) فعن أنس بن مالك رضي الله عنهما أنه قال : ما رأيت رسول الله (ص) رفع إليه شئ من قصاص إلا أمر فيه بالعفو” ، وقال تعالى :” وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس إلى قوله فمن تصدق فهو كفارة له”

لذلك أرى أن وافق الزميلان أن نعيد الأوراق لمحكمة الموضوع لاستدعاء الورثة شخصياً وسؤالهم مباشرة عن رغبتهم في العفو أو الصلح على الدية أو القصاص وسؤال ولي القصر ليوضح الأصلح لهم أن في الدية والقصاص وفي اعتقادي أنه لا يجوز مع توفر إمكانية مواجهة أولياء الدم الإكتفاء بالاستماع لرأي من يوكلونه في تقرير مصير إنسان بين يدي المحكمة ينتظر الموت أو الحياة وفق رغبتهم إذا أصروا بعد ذلك على القصاص كان القصاص لأنه حقهم

القاضي : امام البدري علي التاريخ : 7/4/1991م

اتفق مع الزميل أحمد جعفر فيما ذهب إليه

تقدم فرع القضاء العسكري بمذكرة طاعناً في اجراءات المحاكمة مستنداً على أساس واحد هو أن المحكمة الأدنى قد خالفت الإجراء المنصوص عليه في المنشور الجنائي رقم 19 ذلك أنها لم تحصل على الإذن اللازم بمحاكمة المتهم أمامها وكما رأى الزميل أحمد فإن هذه مسألة إجرائية بحته يجب ألا تصرفنا عن الموضوع وبما أن المتهم لم يضار في دفاعه وقد اتيحت له كافة الفرص في محاكمة عادلة فإنه وإعمالاً للمادة 243 إجراءات فإنه يجب ألا نتدخ بإلغاء الحكم لذلك السبب الذي أشار إليه فرع القضاء العسكري في مذكرته بمراجعة المحضر يتضح أن وحدة المدان العسكرية كانت على علم باتهام المتهم وبأنه في الحبس لدى سلطات البوليس فقد سلم المدان نفسه فور الحادث لدى وحدته العسكرية وقد تسلمه المتحري من هناك وبقيت تلك الوحدة ساكتة حتى صدور الحكم لتتحرك من جديد مطالبة بإلغاء كافة الإجراءات هذا في تقديري استغلال للإجراءات ما كان لنا أن نستجيب إليه أضف إلى ذلك أن المتهم كان ممثلاً بمحام ولم يثر هو أو محاميه هذه النقطة طيلة المحاكمة فلماذا التمسك بها الآن وبعد أن صدر الحكم

في تقديري أن محكمة الجنايات هي المحكمة الطبيعية وبما أنها قد مارست صلاحيتها في حدود اختصاصها فإنه ليس ثمة ما يمكن أن يؤخذ على قرارها من الناحية الإجرائية وحتى إذا قلنا – كما يقول الزميل يوسف – بأن المسألة تتعلق بالاختصاص وليس بالإجراءات فإن مسائل الاختصاص لم تكن سبباً في إبطال الأحكام طالما جاءت تلك الأحكام متمشية مع القانون من ناحية موضوعية واهتدى في ذلك بالمادة 145 إجراءات جنائية صحيح أن هذه المادة تتناول مسائل الاختصاص وفق قانون الإجراءات الجنائية حيث أنها تشير إلى القواعد المبينة فيه ولكن يمكننا أن نهتدي بها كما أسلفت أن محكمة الجنايات محكمة مختصة بالفصل في هذا البلاغ وقد أضفى المنشور الجنائي 19 اختصاصاً على المحكمة العسكرية حال تكوينها وهذا لا ينزع الاختصاص كلياً عن محاكم الجنايات ومن هنا يبدو أن المسألة إجرائية لا أكثر من ذلك ولذا اتفق مع الزميل أحمد فيما توصل إليه ،من ناحية الموضوع أرى أن نؤيد الإدانة والعقوبة ذلك أن المدان قد أصر على تفجير العراك ومواصلته فبعد أن هجر المرحوم مكان المعركة الأولى محتمياً بمنزل الشاهدة نفيسة وبعد أن سيق المتهم إلى منزله لم يشأ أن يترك الأمور تهدأ فتسلح بسكين وكوريك ولحق  بالقتيل  الأعزل بمنزل نفيسة وهناك اعتدى عليه مسبباً موته في ظل هذه الظروف لا يمكن القول باستمرار المعركة المفاجئة التي نشبت في البداية داخل قطعة الأرض المتنازع عليها ذلك لأن الشهود قد تدخلوا وفرقوا بين الطرفين وذهب كل إلى حاله أن أعداد المتهم العدة للقتال وملاحقة القتيل في منزل الشاهدة يعد تفجيراً لمعركة مختلفة وبالتالي لا يجوز له الاحتماء بالفقرة الرابعة من المادة 249 ع

تابع الرأي الأول

القاضي : يوسف دفع الله التاريخ : 25/4/1991م

سبق أن أبديت رأي أن الاختصاص ينعقد للمحاكم الخاصة في هذه الحالة وليس للمحاكم العادية للأسباب التي ذكرتها وقد خالفني الزميلان ولا زلت عند رأي ولما كان الرأي للأغلبية لا يسعني إلا أن أناقش تطبيق الوقائع الثابتة على القانون لتكتمل الصورة فأقول أني اتفق مع الزميلين بأن اتصال المرحوم بزوجة المتهم في زمن سابق لم يثر المتهم حيث لم يفعل شيئاً حياله سوى طلب رحيل المرحوم من جواره وقد فعل ثم أن المعركة الأخيرة التي قتل فيها المرحوم كان المتهم هو المعتدي والمصر الملاحق للعراك ومن ثم لا يجوز له الاحتماء بظل الاستثناءات الواردة بالمادة 249 عقوبات لهذه الأسباب أؤيد الإدانة تحت المادة 251 عقوبات وإلغاء عقوبة الإعدام لحصر أولياء الدم وعرض العفو عليهم أو الصلح على دية

لا حديث عن السلطة بلا إختصاص فالحكم بلا اختصاص عدم: وإليك هذا الحكم  للجميع وللأستاذ ابراهيم عبدالغفور وكان له رأي في المجموعة أن السلطة تعنى الاختصاص وأنهما مصطلحين لذات واحدة: هنا الأمر واضح جدا أنه تعلق بالاختصاص  مما جعل الحكم معدوما ليس فقط باطلا. لو كان الأمر أمر تجاوز سلطة في العقوبة مثلا، أو استبدلت السلطة الاستئنافية العقوبة فإنها تؤيد الإدانة وتعدل العقوبة لأن المحكمة مختصة وبالتالي التصحيح الجزئي في الحكم وارد إذا تجاوزت المحكمة سلطتها في العقوبة، كأن مثلا يعاقب المدان بالجلد خمسين جلدة حدا بينما هي أربعين، أو يوقع الغرامة مع أن العقوبة السجن فيها وجوبي…..

حكومة السودان //ضد// ع ا و م وآخر

نمرة القضية: م ع/ ط ج/626/2005م

المحكمة: المحكمة العليا العدد: 2006

 

الحكــم

القاضي: عبدالرحمن محمد عبدالرحمن شرفي

التاريخ: 1/6/2006م

بتاريـخ 31/7/2005م أصدر قاضـي الدرجـة الثالثة بسلطات الدرجـة الثانيـة (……………) بمحكمة الجنايات الثانية بالحاج يوسف حكماً بإدانة المتهم ع ا و م بجريمة الجراح العمد بموجب المادة (139) من القانون الجنائي لسنة 1991م قضى بمعاقبته بالغرامة مائة ألف جنيه سوداني لمخالفته المادة المذكورة وفي حالة عدم الدفع بالسجن لمدة شهرين اعتباراً من تاريخ الحكم في 31/7/2005م وبإلزام المدان المذكور بسداد مبلغ 1500000 جنيه مليون وخمسمائة ألف جنيه سوداني عبارة عن دية من المجني عليه سانتينو بل دينق تحصل وفقاً لنص المادة (198) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م

كان ذلك بناءً على وقائع الدعوى التي تتلخص في أنه بتاريخ 28/11/2004م أبلغ المجني عليه المذكور إلى قسم شرطة الشقلة بمحلية شرق النيل بأن المتهم المذكور قد قام بالتعدي عليه بالضرب مسبباً خلع إحدى أسنانه الأمامية وقدم الشاكي الأورنيك الجنائي رقم (8) (استمارة شرطة جنائية رقم 8) مدوناً فيه ما يفيد ذلك ( مستند اتهام رقم 1) وبعد إجراء التحريات والتحقيقات اللازمة قدمت الأوراق للمحاكمة التي خلصت إلى الإدانة والعقوبة المذكورتين

فتقدم المحكوم عليه طاعناً لدى محكمة الجنايات العامة بالحاج يوسف فوضعت الأوراق أمام القاضي (……………) قاضي المحكمة العامة الذي ناقش الاستئناف من حيث الموضوع خلوصاً إلى صحة الوجوه التي بنى عليها حكم محكمة أول درجة مقرراً صحة الحكم ومن ثم شطب الاستئناف وبعئذٍ تقدم المحكوم عليه طاعناً لدى محكمة استئناف محافظتي بحري وشرق النيل المشكلة برئاسة القاضي (……………) وعضوية القاضيين (………) (………) فأصدرت حكمها بأغلبية الآراء بشطب الاستئناف وجاء في رأي الأغلبية أن المادة 180(ب) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م تنص على أن : ( تدابير المحكمة الجنائية الثالثة والمحكمة الجنائية الثانية تستأنف أمام المحكمة الجنائية العامة ويكون حكمها نهائياً ) –أ هـ – مضيفاً بأنه بصدور الحكم من المحكمة الجنائية الثانية وتأييده بوساطة المحكمة الجنائية العامة فإنه لا يجـوز بعدئذ استئناف ذلك الحكم ثم انتهى رأي الأغلبية إلى انتفاء ما يبرر ممارسة محكمة الاستئناف لسلطتها في فحص إجراءات هذه الدعوى وفقاً لأحكام المادة (188) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م – بينما ذهب رئيس الدائرة الاستئنافية إلى رأي مخالف مفاده وجود ما يسوغ استخدام سلطة الفحص وذلك لعدم إعمال محكمة أول درجـة لأحكام المادة 138(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م بعـدم قيامها بتحديـد نـوع الجـراح وعما إذا كانت عمداً أو شبه عمد أو خطأ ولأنها لم تناقش الدفـوع المنصوص عليها بالمواد من 8 حتى 18 من القانون الجنائـي لسنة 1991م ولم تناقش الإستثناءات التسع الواردة في المادة 131(2) من القانـون الجنائـي لسنة 1991م وبعدئذٍ صـدر الحكم الاستئنافي – مـن غير مداولة – بـرأي الأغلبية فـي 20/9/2005م بشطـب الاستئناف –

أعلن المحكوم عليه بالحكم الاستئنافي في 18/10/2005م وتقدم طاعناً لدى المحكمة العليا في 23/10/2005م ناعياً على الحكم المطعون فيه بمجانبة الصواب لأنه لم يضرب المجني عليه وإنما حاول الدفاع عن نفسه برفع يده لصد الضربة التي كانت موجهة نحوه من المجني عليه مما يجعل الحديدة المستخدمة ترتد وتضرب المجني عليه في سنه التي سقطت في حينه وأضاف بأن المبلغ المحكوم به أيضاً مبالغ فيه ولا يتناسب مع الضرر الذي أصاب المجني عليه ومطالباً النظر في الحكم المطعون فيه

الأسباب

من حيث الشكل نتفق مع صاحب الرأي الثالث – المخالف – بمحكمة الاستئناف فيما ذهب إليه من توفر مسوغات فحص إجراءات هذه الدعوى – بما يتعين معه إجراء الفحص وفقاً لأحكام المادة (188) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ولا يحجب سلطة الفحص التقديرية والتلقائية صيرورة حكم قاضي الدرجة الثانية نهائياً بصدور الحكم المؤيد له من قاضي المحكمة العامة

أما من حيث الموضوع فقد خلصت دراستنا لإجراءات هذه الدعوى إلى مسائل جوهرية مؤثرة في الحكم أيما تأثير نبينها فيما يلي:

أولاً: القاضي الذي نظـر هـذه الدعوى الجنائية وأصدر فيها الحكم ابتدائياً هو القاضي (……………) وقد أحسن صنعاً حين دوّن اسمه بوضوح مع بيان درجته في محاضر الدعوى وأوراقها خمساً وعشرين مـرة والثابت في كلها أنه من قضاة الدرجة الثالثة بسلطات الدرجة الثانية ولا أدري كيف فات عليه وعلى أربعة من ذوي الخبرة من بعده أمر جوهري هو مدى اختصاصه بنظر الدعوى _

إن قاضي الدرجة الثانية لا يختص بحال من الأحوال بنظر دعاوى القصاص فدعاوى القصاص في النفس يختص بنظرها والفصل فيها قاضي المحكمة العامة – فصاعداً – وفقاً لأحكام المادة (9) من قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991م ودعاوى القصاص في العضو يختص بنظرها وبالفصل فيها قاضي الدرجة الأولى وفقاً لأحكام المادة 10(1) من ذات القانون ومن ثم فقـد صدر الحكم محـل الفحص ابتداءً ممن لا يختص بنظره – أي صدر معدوماً –

وينبغي التنبه إلى أن العبرة في تحديد الاختصاص الجنائي – غير المكاني – قد يكون بالنظر إلى شخص المتهم وقد يكون بالنظر إلى نوع الجريمة وقـد يكون بالنظر إلى العقوبة أي السلطة الممنوحة في العقوبة وبشأن تحديد الاختصاص بالنظر إلى شخص المتهم ومن قبيله الاختصاص في الجرائم التي تقع من الأحداث والجرائم التي تدخل في اختصاص القضاء العسكري وصنوهما فإن الأمر فيه ظاهر ولا حاجة إلى بيان أما تحديد الاختصاص بالنظر إلى نوع الجريمة أو بالنظر إلى العقوبة – أي سلطة العقوبة الممنوحة للقاضي – فقد تفاوتت رؤى التشريعات السودانية المتعاقبة بشأنه بالأخذ بمعيار تحديد الاختصاص بالنظر إلى نوع الجريمة مرة وبالأخذ بمعيار تحديد الاختصاص بالنظر إلى العقوبة ومقدارها مرة أخرى ( راجع المواد (13) و(14) من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1974م والمواد (13) و(14) من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1983م والمواد 9 و 10و11و12 من قانون الإجراءات الجنائية السوداني لسنة 1991م وراجع كتاب الإجراءات الجنائية السوداني معلقاً عليه للدكتور محمد محي الدين عوض ص 52 وص 53 وما بعدهما طبعة سنة 1971م) – والذي نعني بتفصيل البيان فيه هنا هو بيان القاعدة التي تحقق مقاصد المشرع من تشريع النص وبصفةٍ أخص بيان المنهج الذي لا يفرغ تشريع العقاب من غايته وفي ذات الوقت ما يكفل للمتهم محاكمة عادلة فتلك قواعد ارتكاز في أصول المحاكمات الجنائية ويلزم إعمالها ففي تحديد الاختصاص بنوع التهمة موضوع الدعوى فيصار إلى الوصف القانوني للواقعة –أو التهمة- المرفوعة بها الدعوى إبتداءً بلوغاً إلى محاكمة عادلة مستقرة تكفل للمتهم حقه في الدفاع عن بصيرة من مبتدأ المحاكمة فإن كان تحديد الاختصاص بالنظر إلى العقوبة فيلزم مراعاة التحديد على ضوء من يملك سلطة العقوبة الأشد للتهمة المرفوعة بها الدعوى فيكون هو المختص بالنظر والفصل تجنباً لمخاطر إفـراغ التشريع من مقاصـده بتنزيل عقوبة أخف للمواءمة مع السلطة الممنوحة للقاضي في العقوبة وليس لمقتضيات العدالة وتفريد العقوبة – ومجمل القول فإنه على ضوء كل المعايير وقواعـدها فقـد جاء الحكم محل الفحص صادراً ممن لا يختص به مما يتعين إلغاؤه وإلغاء أحكام المحاكم المؤيدة له والزاهدة عن فحصه –

ثانياً: بفرض أن القاضي الذي نظر الدعوى ابتداءً كان مختصاً بنظرها– وهذا مجرد فرض والفرض غير الواقع – فإن حكمه قد صدر مشوباً بأخطاء قانونية جسيمة ذكر جزءً ضئيلاً منها صاحب الرأي المخالف بمحكمة الاستئناف إذ ذكر عدم إعمال محكمة أول درجة لأحكام المادة 138(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م بشأن تحديد نوع الجراح وعما إذا كانت عمداً أو شبه عمد أو خطأ وعدم مناقشة الدفوع المنصوص عليها بالمواد من 8 إلى 18 من القانون الجنائي لسنة 1991م – أي موانع المسئولية الجنائية – وعدم مناقشة حالات الإستثناءات التسع المنصوص عليها بالمادة 131(2) من القانون الجنائي لسنة 1991م – تلك هي النقاط التي أشار إليها صاحب الرأي الثالث – المخالف – في محكمة الاستئناف غير أن الأخطاء الجوهرية الفادحة أكثر من ذلك بكثير فالقاضي في محكمة أول درجة قد قفز إلى الإدانة بموجب المادة 139(1) من القانون الجنائي لسنة 1991م – أي الجراح العمد – دون مناقشة الركن المعنوي للجريمة المتمثل في عنصري – (الإرادة والعلم) ثم قفز بعد تلك الإدانة مباشرة إلى تفريد العقوبة والدية بدون مناقشة مدى توفر – أو انتفاء – شروط القصاص المنصوص عليها بالمادة (29) من القانون الجنائي لسنة 1991م – علماً بأن خلع السن في الأغلب مما يكون فيه القصاص وفقاً للجدول الأول الملحق بالقانون الجنائي لسنة 1991م لإمكان تحقق المماثلة ولإمكان تجنب الحيف وكان على القاضي بعد مناقشة شروط القصاص أن ينتقل (على ضوء نتائج مناقشته) إلى مناقشة مسقطات القصاص وفقاً لأحكام المادة (31) من القانون الجنائي لسنة 1991م فإن توفرت شرائط القصاص وانتفت المسقطات كان لزاماً عليه عندئذٍ المصير إلى أخذ رأي المجني عليه في الأخذ بالقصاص أو في الدية أو العفو فإن طلب القصاص حكم به بعد أخذ رأي الخبرة الطبية بشأن عدم إمكان ظهور بدل للسن المخلوعة فإن أمكن ظهور البدل فلا قصاص وأن طلب المجني عليه الدية أو آثر العفو فيعتد بطلبه أما إذا انتفت شرائط القصاص أو توفر شيء من مسقطاته فيصار إلى الحبس والغرامة (أو كليهما) بدون مساس بالحق في الدية ولا يصار إلى الحبس أو الغرامة إلا بعد التبين من الظروف المخففة والظروف المشددة للعقوبة وصولاً إلى التبين من حال المتهم وما تحتف به من ظروف العمر والحالة الاجتماعية والأخلاق والسوابق الجرمية فضلاً عن التبين من حال الجـرم المرتكب وملابسات ارتكابه وكيفيته ومدى انتهاكه للفضيلة وإذا كان قاضي محكمة الموضوع قد قفز وتسّور على كل هذه القواعد الإجرائية والموضوعية فإن إغفال كل ذلك يجعل حكمه مشوباً بالأخطاء الجسيمة التي لا تنتهي عجائبها – ولئن لم يكن في مثل هذا الحكم ما يوجب الفحص – على حد تعبير رأي الأغلبية بمحكمـة الاستئناف – فلا نحسب أن ثمة ما يوجب الفحص من بعد أما أن توصف الإدانة الصادرة في حق المتهم المذكور بأنها صحيحة وأن يوصف الحكم بأنه جاء سليماً فيما قضى به من الدية الناقصة – على حد تعبير قاضي المحكمة العامة – فذلك لعمري أبلغ فداحة من صنيع قاضي الموضوع ولئن وجدنا لقاضي الموضوع عذراً – لحداثة عهده بالقضاء – فلا نجد لذوي الخبرة ما يسعف من المعاذير –

وثمة أخطاء أخرى عديدة لا حاجة لنا بحصرها بدءً من ضرورة تحديد مادة الإدانة والعقوبة بفقراتها إذ يقال 139(1) فقط – وهناك ضرورة التفريق بين الشطب وموجباته والرفض وموجباته وغير ذلك

والخلاصة: أن الحكم محل الفحص قد صدر معدوماً ابتداءً مشوباً بأخطاء جوهرية انتهاءً فإن وافقني الزملاء الأجلاء بالدائرة الجنائية فإنني أرى إلغاء حكم محكمة الموضوع وأحكام : (المحكمة الجنائية العامة ومحكمة الاستئناف) وإعادة الأوراق إلى محكمة جنايات الحاج يوسف لإعادة المحاكمة بوساطة قاضي مختص على ضوء القواعد الموضحة في هذه الأسباب –

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

 

القاضي: جار النبي قسم السيد التاريخ:  5/6/2006م أوافق

القاضي: محمد علي خليفة التاريخ:  6/6/2006م

أوافق تماماً أخي عبد الرحمن شرفي في كل ما جاء في مذكرته الضافية وليس لدى ما أضيفه لها

 

الأمر النهائي:

حكمت المحكمة العليا الدائرة الجنائية بما يلي:

1- إلغاء حكم محكمة أول درجة وأحكام المحكمة الجنائية العامة ومحكمة الاستئناف

2- إعادة الأوراق إلى محكمة جنايات الحاج يوسف لإعادة المحاكمة بوساطة قاضي مختص على ضوء القواعد الموضحة في أسباب هذا الحكم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

عبدالرحمن محمد عبدالرحمن شرفي

قاضي المحكمة العليا ورئيس الدائرة 7/6/2006م

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: غير مسموح