محكمة النقض ورقابتها على صحة تطبيق القانون.

وردت في مناقشات أولادي وبناتي في مجموعات الواتساب مما يرد من سوابق قضائية سابقة نثر فيها مولانا العالم عبدالرؤوف ملاسي دررا، خشيت أن تفهم بأكثر مما أرادها في سياقها وحتى أمتن هذا الفهم وأزيل عنه كل غبش أردت أن أبين التحفظ الذى أشرت إليه في المجموعات ليصبح جليا وواضحا تماما الفرق بين النقض كطريق طعن غير عادى والاستئناف وطبيعة كل منهما وأيضا سلطة الفحص. وأسارع لأقول أن محكمة الاستئناف ومحكمة الفحص(استئناف أو عليا) محكمة وقائع وقانون. بخلاف محكمة النقض فهي سلطة رقابة على صحة تطبيق القانون. ولهذا لابد أن يفهم من يطعن بالنقض أنه يخطئ الحكم المطعون فيه في تطبيق القانون فقط القانون يعنى طعنه مبنى على القانون لا الوقائع، ولا يناقش في الطعن بالنقض أمر الوقائع ثابتة أم لا ولا يجادل في تقدير الدليل اللهم إلا إذا التمس خطأ في قبول الدليل قانونا.

ولما كان هذا المصطلح (النقض) ورد إلينا من التشريع والفقه على النظام اللاتيني المتبع في مصر وما سار مسارها اهتداء بالقانون الفرنسي ( وليس ال comon  law . فلنقف على ما قال به شراح هذه المدرسة في هذا الموضوع. يقول د. حسن صادق المرصفاوى شارحا التشريع المصري (أصول الإجراءات الجنائية- منشأة المعارف بالإسكندرية -سنة 2000 ص918 الفقرة 360 حالات النقض-(أبانت المادة 30/2 من قانون النقض حالات الطعن بطريق النقض وهي- إذا كان الحكم المطعون فيه مبنيا على مخالفة للقانون. مهمة محكمة النقض هي الإشراف على إعمال القانون إعمالا سليما لتتوحد المبادئ القانونية ومن ثم يقتصر اختصاصها على هذه المسائل فقط، فلا علاقة لها بوقائع الدعوى وما تستخلصه محكمة الموضوع.) ويقول د. حاتم حسن بكار شارحا القانون الليبي وهو سليل المصري في الفقرة 838 ص 157 منشأة المعارف بالإسكندرية 2007 (النقض طريق طعن غير عادى في الأحكام النهائية الصادرة عن آخر درجة في الجنايات والجنح ويستهدف الطعن بالنقض فحص الحكم للتحقق من مطابقته للقانون…. وإنما يهدف الى عرض الحكم على محكمة النقض في ذاته واستقلالا عن وقائع الدعوى ، لتقدير مدى اتفاقه مع القانون ولذلك وصف الطعن بالنقض بأنه محاكمة للحكم، و لا يهدف الطعن بالنقض كذلك الى إعادة فحص وقائع الدعوى للتحقق من ثبوتها أو تحري كيفيتها وإنما يفترض التسليم بهذه الوقائع على النحو الذى قررته في شأنها محكمة الموضوع ويقتصر الطعن بالنقض على مناقشة صحة التكييف القانوني في مدلوله الواضح لهذه الوقائع، ولذلك قيل لا اختصاص لمحكمة النقض في شأن الوقائع وأنه لا يقبل أي جدل موضوعي أمامها.)

ومن حيث التطبيق العملي قالت محكمة النقض المصرية ( لا تختص محكمة النقض إلا بتقويم المعوج من جهة القانون ليس إلا، فهي مكلفة بأن تأخذ ما أثبته قاضى الموضوع قضية مسلمة وأن تبحث فيه.)

من حيث قانونا وردت المادة 182 من قانون الإجراءات الجنائية 1991( تختص المحكمة العليا بالنظر في نقض التدابير القضائية الصادرة من محكمة الاستئناف إذا كان التدبير القضائي المطعون فيه مبنيا على مخالفة القانون أو خطأ في تطبيقه أو تفسيره.) ولعلك لاحظت تطابق الصياغة مع القوانين المقارنة.

لم يكن لهذا النص مقابل في قانون ا<راءات الجنائية 1983 فقد كان الأمر قاصرا على الاستئناف والتأييد والفحص. جاء نص المادة 235 منه(1- تستأنف أحكام مجالس القضاة أمام محكمة القاضي الجزئي ويكون حكمه نهائيا.2- تستأنف أحكام محكمة القاضي الجزئي وأحكام قاضى المديرية أمام محكمة الاستئناف المختصة ويكون حكمها نهائيا.)

نهائيا تعنى أنها غير قابلة للطعن تماما كما هو حكم القاضي الجزئي بالنسبة لمجالس القضاة لكن هذا الحكم يمكن أن يخضع للفحص وقد ورد نص المادة 239 يقرأ( يجوز للمحكمة العليا ولمحكمة الاستئناف أن تطلب من تلقاء نفسها أي محضر إجراءات تباشره محكمة تابعة لها إذا تبين لها أن إجراءً مخالفا لأحكام الشريعة الإسلامية قد أتخذ. 2 في هذه الحالة للمحكمة ممارسة سلطاتها نحو تصحيح الحكم ومراجعته.

ولذلك لم تثر في ظل قانون 1983 مسألة سلطة المحكمة العليا من حيث القانون أو الوقائع أم الوقائع والقانون. كان هم المشرع ألا يصدر أي إجراء مخالف للشريعة الإسلامية.

ما ورد في قانون 1983 جاء مخالفا لما ورد في قانون 1974 الذى وردت فيه المادة253 لتقرأ( تختص المحكمة العليا بالطعن بالنقض في القرارات التي تصدرها محكمة الاستئناف بموجب المادتين253 و 253(أ) إذا كان الحكم المطعون فيه مبنيا على مخالفة للقانون أو خطأ في تطبيقه أو تأويله أو إذا وقع في الإجراءات بطلان أثر في الحكم.)

وواضح أثر الفقه اللاتيني في صياغة النص. وفى هذا الإطار يقول استاذ الأجيال د. محمد محى الدين عوض ( ويلاحظ أننا وإن كنا قد رأينا المحكمة العليا كسلطة تأييد واستئناف بالنسبة لأحكام المحكمة الكبرى المتضمنة عقوبة الإعدام أو السجن المؤبد لها أن تناقش الوقائع والقانون معا إلا أنها طبقا لنص المادة 253 كجهة لنظر الطعن بالنقض بالنسبة لما تصدره محكمة الاستئناف بناء على طلب المضرور مقيدة بمناقشة مسائل القانون دون الوقائع فهي مختصة بما اضفته المحكمة من وصف قانونى على الوقائع ما أضفته المحكمة من وصف قانونى على الوقائع ومدى سلامة تطبيق القانون وتفسيره ومطابقة العقوبات للقانون  ومدى اتساق الإجراءات مع القانون بشرط أن يكون عدم اتساقها قد أثر في سلامة الحكم.) الإجراءات الجنائية السوداني معلقا عليه طبعة 1980 – مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي 1979 .

أرجو أن يكون الأمر واضحا الآن، وإن عدتم عدنا.

 

عن الكاتب


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: غير مسموح